وطن-بعد القصف الأميركي الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة النظام، لم تنهَرُ القيادة الإيرانية كما توقع البعض، لكنها تواجه اليوم اختبارًا حاسمًا مع انطلاق مفاوضات جديدة لإنهاء الحرب، بحسب تقرير نشرته صحيفة “أتلانتيك”.
المرشد الراحل كان على مدى عقود يدير باقتدار شبكة معقدة من الفصائل والنفوذ داخل الدولة، لكن من غير الواضح الآن من يتمتع بالسلطة ذاتها داخل المجموعة التي تضم شخصيات مدنية وعسكرية بارزة من الحرس الثوري الإيراني.
ورغم التباينات، اتحدت هذه القيادات مؤقتًا حول موقف متشدد في مواجهة واشنطن، إلا أن المفاوضات الجارية قد تكشف عن تصدعات جديدة، خاصة مع سعي وسطاء من باكستان لاستضافة جولة جديدة من المحادثات هذا الأسبوع.
مجلس الأمن القومي يمسك بالمفاتيح
يشير التقرير إلى أن مجلس الأمن القومي الأعلى أصبح المركز الفعلي لصنع القرار في طهران، بعد أن كان خامنئي قد منح هذا المجلس سلطات واسعة قبل مقتله، وهو ما تعزز مع اندلاع الحرب.
يرأس المجلس الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان اسميًا، لكن وجهه الأبرز اليوم هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والقيادي المحافظ المخضرم، الذي يتولى أيضًا قيادة المفاوضات مع الولايات المتحدة.
ويضم المجلس تيارات مختلفة؛ من بينها سعيد جليلي ممثلًا عن المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والجنرال أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري، إلى جانب أمين المجلس محمد باقر ذوالقدر.
ويرى خبراء أن الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى استهداف القادة البارزين عكست سوء فهم لطبيعة النظام الإيراني، إذ إن تعدد مراكز القوة يمنحه قدرة على الاستمرار رغم الضربات.
مفاوضات شاقة مع واشنطن
تُعدّ محادثات وقف الحرب اختبارًا حقيقيًا لتماسك السلطة في إيران. فالولايات المتحدة تطالب بتنازلات كبرى تضمن عدم تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها لأغراض سلمية.
وقال قاليباف في مقابلة مع التلفزيون الرسمي إن بلاده تسعى إلى «اتفاق شامل يحقق سلامًا دائمًا»، مشيرًا إلى ضرورة إنهاء «الحلقة الخطرة» من الهجمات المتبادلة.
ويراهن قادة المجلس على ورقة مضيق هرمز، إذ تتيح لهم السيطرة عليه الضغط على الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط، ما يهدد الاقتصاد الأميركي ويضغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفق ما جاء في التقرير.
بوادر انقسام داخل النظام
شهدت نهاية الأسبوع توترات جديدة حول إدارة المرور في مضيق هرمز. فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي عبر منصة X فتح المضيق أمام حركة السفن التجارية ضمن اتفاق الهدنة، لكن واشنطن أعلنت بعد ساعات استمرار الحصار.
وردّت القوات الإيرانية بإغلاق المضيق مجددًا، بينما انتقدت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري موقف عراقجي، معتبرة أن القرار يجب أن يصدر عن مجلس الأمن القومي نفسه.
من جانبه، أكد مكتب الوزير أن الخارجية لا تقدم على أي خطوة دون تنسيق مع المؤسسات العليا، فيما حاول قاليباف في تصريحات لاحقة التقليل من شأن الخلافات، مؤكدًا وحدة الصف في الموقف التفاوضي.
قاليباف بين الحرس والإصلاحيين
يبرز التقرير شخصية محمد باقر قاليباف كأحد أبرز الوجوه القادرة على تجسير الفجوة بين المعسكرين المحافظ والإصلاحي.
الصحفي الإيراني آرَش عزيزي، في تصريحات له لـ”أتلاننبك”، وصف قاليباف بأنه رجل براغماتي يحظى بدعم من مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك الحرس الثوري والإصلاحيون والوسطيون.
قاليباف، الذي شغل مناصب قيادية في الشرطة والحرس الثوري ثم أدار بلدية طهران من 2005 إلى 2017، يتمتع بخلفية إدارية وعسكرية جعلته خيارًا توافقيًا.
وكتب المساعد الرئاسي الإصلاحي علي ربيعي في مقال بصحيفة محلية أن قاليباف يمثل «صوت الدولة والنظام»، بينما يرى المعارض المقيم في الولايات المتحدة محسن سازغارا أن قرب قاليباف من عائلة خامنئي ومن مدينة مشهد ساعده على ترسيخ نفوذه داخل أروقة الحكم.
تسلّط الصحيفة الضوء على أن التجاذبات داخل مجلس الأمن القومي قد تحدد مستقبل النظام الإيراني بعد غياب قائده التاريخي. وبينما تبدو القيادة الحالية متماسكة ظاهريًا، ستكشف المفاوضات مع واشنطن مدى قدرتها على الصمود تحت الضغط — داخليًا وخارجيًا على حد سواء.
اقرأ أيضاً
“بين الميدان وطاولة المفاوضات”: هل يكون قاليباف خليفة النظام الإيراني في مرحلة ما بعد الحرب؟
بين التفاوض والتحشيد.. مطالب ترامب “المتشددة” تعرقل الحوار مع إيران والمارينز يتأهبون في المنطقة
باعتراف استخباراتي بريطاني: طهران تتفوق ميدانياً في المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة












