وطن-في تصعيد جديد للخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، شنّ مسؤولون ومقربون من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومًا حادًا على مواقف دول أوروبية كبرى بسبب رفضها دعم الولايات المتحدة خلال الحرب ضد إيران، معتبرين أن ما حدث يمثل “خيانة سياسية” تهدد مستقبل التحالف الغربي وحلف الناتو.
وجاءت التصريحات الأكثر إثارة على لسان نايل غاردينر، المستشار السابق لرئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر ومدير مركز الحرية في مؤسسة هيريتيج، الذي أكد أن ترامب “يملك كل الحق في الغضب” بسبب ما وصفه بـ”تخاذل أوروبا” في مواجهة إيران.
أزمة غير مسبوقة داخل الناتو
لم يعد الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية، مجرد تباين دبلوماسي، بل بدأ يتحول إلى أزمة استراتيجية حقيقية داخل حلف شمال الأطلسي.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لوّح بخفض واسع للقوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا، خاصة في ألمانيا، بعد الانتقادات التي صدرت عن المستشار الألماني فريدريش ميرتس تجاه السياسة الأمريكية في الحرب على إيران.
أعلن ترامب أن خفض القوات لن يقتصر على خمسة آلاف جندي كما أُعلن سابقًا، بل قد يكون أكبر بكثير، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة مباشرة إلى الحكومات الأوروبية الرافضة للانخراط في المواجهة مع طهران.
ألمانيا تحت النار الأمريكية
تصاعد التوتر بعدما اتهم مسؤولون أمريكيون ألمانيا، بإضعاف الموقف الغربي عبر تصريحات اعتُبرت متساهلة تجاه إيران.
كان المستشار الألماني قد صرّح بأن واشنطن “تتعرض للإهانة” من القيادة الإيرانية، معربًا عن أمله في انتهاء الحرب سريعًا، قبل أن يعود لاحقًا ويؤكد دعم بلاده لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن هذه التصريحات لم تكن كافية لتهدئة الغضب داخل المعسكر المقرب من ترامب، فقد وصف نايل غاردينر، موقف برلين بأنه “خطير” ويمنح “دعمًا دعائيًا للنظام الإيراني”، معتبرًا أن أوروبا تعيش حالة “استرضاء تاريخي” تجاه طهران، وترفض الاعتراف بحجم الخطر الذي تمثله إيران النووية.
إسبانيا وإيطاليا.. غضب أمريكي متصاعد
كانت إسبانيا من أكثر الدول التي تعرضت للانتقاد الأمريكي، بعدما رفضت السماح باستخدام قواعدها العسكرية لدعم العمليات الأمريكية ضد إيران.
وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية بأنها “متهورة وغير عادلة”، ما أثار استياء واسعًا داخل الإدارة الأمريكية.
علّق ترامب بغضب على موقف مدريد، معتبرًا أن إسبانيا “كانت فظيعة للغاية” خلال الأزمة، بينما أشار إلى احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي أيضًا في إيطاليا بسبب ضعف الدعم الأوروبي.
وعلى الرغم من أن روما سمحت باستخدام بعض القواعد العسكرية، فإن ترامب أبدى خيبة أمله من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قائلاً إنه كان يعتقد أنها “أكثر شجاعة”.
فرنسا وبريطانيا في دائرة الانتقاد
الغضب الأمريكي امتد كذلك إلى فرنسا وبريطانيا، إذ اتهم ترامب باريس بمنع مرور طائرات محملة بإمدادات عسكرية متجهة إلى إسرائيل عبر الأجواء الفرنسية، وكتب أن الولايات المتحدة “ستتذكر” الموقف الفرنسي.
أما بريطانيا، فتعرضت لانتقادات حادة بسبب رفضها المشاركة المباشرة في العمليات ضد إيران، خاصة مع أزمة الطاقة الناتجة عن التوتر في مضيق هرمز.
هذا ووجّه ترامب، رسالة ساخرة إلى الدول الأوروبية المتضررة من نقص الوقود، قائلاً إن عليها أن “تتعلم القتال بنفسها” لأن أمريكا “لن تكون دائمًا هناك لحمايتها”.
هل بدأت أمريكا إعادة تقييم تحالفاتها؟
تكشف التصريحات الأخيرة عمق التحول داخل الرؤية الأمريكية، تجاه أوروبا وحلف الناتو، فتيار واسع داخل المعسكر المحافظ الأمريكي بات يرى أن أوروبا الغربية فقدت إرادة المواجهة، وأصبحت تعتمد بالكامل على القوة الأمريكية دون استعداد لتحمل كلفة الصراعات الكبرى.
ذهب نايل غاردينر، أبعد من ذلك، معتبرًا أن أوروبا دخلت مرحلة “الانهزامية السياسية”، وأن النخب الأوروبية باتت تتبنى سياسات استرضاء وضعف تجاه التهديدات الخارجية.
وأضاف أن الولايات المتحدة أصبحت الطرف الوحيد المستعد للدفاع عن “الحضارة الغربية”، بينما اختارت أجزاء واسعة من أوروبا الابتعاد عن المواجهة.
حرب إيران تكشف الانقسام الغربي
لم تكشف الحرب مع إيران، فقط حجم التوتر في الشرق الأوسط، بل أظهرت أيضًا الانقسام العميق داخل المعسكر الغربي نفسه.
فبينما ترى واشنطن وتل أبيب أن المواجهة مع إيران ضرورة استراتيجية، تبدو عدة عواصم أوروبية أكثر ميلاً لاحتواء التصعيد وتجنب الانخراط العسكري المباشر.
هذا التباين قد يدفع مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية نحو مرحلة جديدة أكثر توترًا، خاصة إذا استمرت إدارة ترامب في استخدام القوة العسكرية والاقتصادية لإعادة رسم قواعد التحالفات الغربية.
وفي ظل عالم يتغير بسرعة، يبدو أن السؤال لم يعد فقط حول مستقبل الحرب مع إيران… بل حول مستقبل الغرب نفسه.
اقرأ المزيد
انقلاب الموازين في المتوسط: لماذا أصبح المغرب “الطرف الموثوق” لواشنطن بدلاً من إسبانيا؟
إسبانيا ترفض المشاركة في الحرب ضد إيران وتؤكد تمسكها بالسيادة والاستقلال الأوروبي

