وطن-في محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين الطفولة والسلطة، سلّطت دراسة نفسية حديثة الضوء على القواسم المشتركة في النشأة المبكرة لكل من أدولف هتلر وفلاديمير بوتين ودونالد ترامب، كاشفة عن أنماط نفسية متشابهة قد تساعد في تفسير نزعتهم إلى السيطرة، والحاجة المستمرة إلى الإعجاب، ورفض إظهار الضعف أمام الآخرين.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إن الدراسة، المنشورة في دورية “فرونتيرز إن سايكولوجي”، لا تهدف إلى تقديم تشخيص نفسي نهائي لهذه الشخصيات السياسية، بل تسعى إلى قراءة مساراتهم من زاوية تاريخية ونفسية، اعتماداً على سير ذاتية ووثائق وشهادات عائلية تناولت طفولتهم وعلاقاتهم بآبائهم وأمهاتهم.
وبحسب ما أوردته المجلة، توصّل الباحث يوسف تشيفجي إلى وجود تشابهات لافتة بين الشخصيات الثلاث، تتجاوز مجرد الطموح السياسي أو الرغبة في النفوذ. فكل منهم مرّ في طفولته بتجارب مرتبطة بالرفض أو الفقد أو الضغط الأسري، وهي عوامل قد تسهم، وفق الدراسة، في بناء ما يُعرف بـ«النرجسية التفاعلية».
آباء صارمون وأمهات متعلقات عاطفياً
أوضحت مجلة “بسيكولوجي” أن الدراسة رصدت عناصر متكررة في طفولة هتلر وبوتين وترامب، من أبرزها وجود أب سلطوي أو قاسٍ، وأم شديدة التعلق أو غير مستقرة عاطفياً، إضافة إلى صدمات مبكرة مثل الإهمال أو الشعور بالرفض أو فقدان أحد أفراد العائلة، فضلاً عن توقعات أسرية متناقضة أو مبالغ فيها.
في حالة أدولف هتلر، تشير الدراسة إلى أن والده ألويس هتلر كان معروفاً بصرامته الشديدة واعتماده العقاب الجسدي، بينما كانت والدته كلارا تحيطه بحماية مفرطة، خصوصاً بعد فقدانها ثلاثة أطفال قبل ولادته.
وترى الدراسة أن هذا التناقض بين الإذلال الأبوي والتقديس العاطفي من الأم ربما ولّد لدى هتلر شرخاً عميقاً في تقدير الذات، دفعه لاحقاً إلى بناء صورة متضخمة عن نفسه لإخفاء شعور داخلي بالهشاشة وعدم الأمان.
أما فلاديمير بوتين، فقد نشأ بدوره في بيئة طبعتها الحرب والفقر والفقد. وكان والداه قد خسرا طفلين قبل ولادته، فيما عُرف والده ببروده العاطفي وقلة تعبيره عن المشاعر، مقابل حضور أمومي أكثر احتواءً واهتماماً.
وبحسب الدراسة، فإن هذا المزيج بين القسوة والاحتواء، إلى جانب بيئة اجتماعية تتطلب الصلابة للبقاء، ساهم في ترسيخ حاجة مستمرة لدى بوتين إلى التحكم والسيطرة، وهو ما يظهر في حرصه الشديد على إدارة صورته العامة بدقة.
ترامب وعبادة النجاح
في المقابل، تأخذ طفولة دونالد ترامب شكلاً مختلفاً، لكنها تقود إلى نتائج نفسية متقاربة. فقد نشأ في عائلة تعتبر النجاح والتفوق معيار القيمة الأساسية، بينما كان والده فريد ترامب شخصية مسيطرة شديدة التركيز على الإنجاز والربح.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” إن والدة ترامب عانت المرض خلال فترات من طفولته، ما حدّ من حضورها العاطفي، قبل أن يُرسل وهو في الثالثة عشرة إلى مدرسة عسكرية داخلية، في تجربة وصفتها الدراسة بأنها لحظة محورية في تكوينه النفسي.
وترى الدراسة أن هذه التجربة عززت لديه قناعة مبكرة بضرورة عدم إظهار أي ضعف، ورسخت آلية دفاعية قائمة على تضخيم الذات وإبراز القوة والنجاح بصورة مستمرة.
ومن هنا، يفسّر الباحث بعض سمات شخصية ترامب السياسية والإعلامية، مثل حاجته الدائمة إلى التصفيق، وحساسيته تجاه النقد، وتركيزه المفرط على صورته العامة، بوصفها تعبيراً عن «ذات دفاعية» تخفي شعوراً قديماً بالهشاشة.
السلطة كتعويض نفسي
تؤكد الدراسة أن الهدف ليس تبرير سلوكيات هذه الشخصيات، بل فهم الجذور النفسية التي قد تجعل السلطة وسيلة لتعويض نقص داخلي أو جرح قديم.
وبحسب ما نشرته دورية “فرونتيرز إن سايكولوجي”، فإن النرجسية التفاعلية تختلف عن الثقة الطبيعية بالنفس، لأنها تنشأ من الإهانة أو الخوف أو الشعور بالخذلان، ما يدفع الشخص لاحقاً إلى البحث عن السيطرة المطلقة والإعجاب المستمر كوسيلة لحماية ذاته.
وترى الدراسة أن هذا النمط النفسي قد يفسر بعض سمات القيادة السلطوية، مثل رفض النقد، والهوس بالولاء الشخصي، والسعي الدائم إلى الظهور بمظهر القائد القوي الذي لا يهتز.
وفي خلاصة تحليلها، تشير الدراسة إلى أن طفولة هتلر وبوتين وترامب تكشف عن خيط نفسي مشترك: جرح مبكر يتحول لاحقاً إلى طموح هائل، ورغبة في الهيمنة، وحاجة مستمرة إلى إظهار القوة. وهي قراءة لا تلغي العوامل السياسية والتاريخية، لكنها تضيف بعداً نفسياً لفهم كيف يمكن لتجارب الطفولة أن تترك أثرها العميق في شخصيات تصل لاحقاً إلى قمة السلطة.
اقرأ المزيد
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..
“تعويض عقد الماضي”.. كيف يحوّل الآباء أبناءهم (دون وعي) إلى أدوات لتحقيق طموحاتهم المفقودة؟

