وطن-كشفت دراسة علمية حديثة عن آلية جديدة قد تفسر المخاوف المتزايدة بشأن تأثير ضربات الرأس في كرة القدم على صحة الدماغ، بعدما توصل باحثون بريطانيون إلى أن الخطر المحتمل لا يبدأ مع حركة الرأس بعد اصطدام الكرة، بل خلال أجزاء متناهية الصغر من الثانية تسبق هذه الحركة.
وبحسب ما أوردته مجلة “موي إنتريسينتي” الإسبانية، فإن فريقاً بحثياً من معهد تكنولوجيا الرياضة بجامعة لافبرا البريطانية اكتشف أن موجة ضغط سريعة تنتقل داخل نموذج يحاكي أنسجة الدماغ فور ملامسة الكرة للرأس، وقبل أن يبدأ الرأس نفسه في التحرك.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية “Proceedings of the Institution of Mechanical Engineers”، ما أعاد فتح النقاش العلمي حول سلامة ضربات الرأس في كرة القدم، خصوصاً مع تزايد الدراسات التي تربط اللعبة بأمراض عصبية وتنكسية لدى اللاعبين المعتزلين.
موجة الضغط تسبق حركة الرأس
اعتمد الباحثون على نموذج مخبري لرأس صناعي يحتوي على مادة هلامية تحاكي نسيج الدماغ، مع تزويده بجهاز استشعار شديد الدقة قادر على تسجيل ملايين القراءات في الثانية.
وخلال التجارب، أُطلقت 20 نوعاً مختلفاً من كرات القدم بسرعات مشابهة لتلك المستخدمة في المباريات الحقيقية، مع اختبار الكرات في ظروف جافة ومبللة. وأظهرت النتائج أن موجة الضغط كانت تصل إلى الجزء الأمامي من النموذج الدماغي خلال أقل من 100 ميكروثانية من لحظة اصطدام الكرة بالرأس.
ووفقاً للدراسة، فإن هذه الموجة تظهر قبل بدء حركة الرأس الفعلية، ما يعني أن الحدث الأول المرتبط بالخطر المحتمل ليس تسارع الجمجمة كما كان يُعتقد سابقاً، بل انتقال ضغط داخلي سريع داخل الوسط الذي يحاكي الدماغ.
دراسة الخرف لدى اللاعبين تعود إلى الواجهة
تأتي هذه النتائج في سياق مخاوف متزايدة بشأن صحة لاعبي كرة القدم على المدى الطويل، خصوصاً بعد دراسات سابقة أظهرت ارتفاع معدلات الإصابة بالخرف بين لاعبي النخبة المعتزلين مقارنة بعامة السكان.
ورغم أن الدراسة الجديدة لا تثبت بشكل قاطع أن ضربات الرأس تسبب الخرف، فإنها تقدم تفسيراً فيزيائياً جديداً قد يساعد العلماء على فهم كيفية انتقال التأثيرات الميكانيكية إلى داخل الدماغ خلال أجزاء صغيرة جداً من الزمن.
نوع الكرة قد يغيّر مستوى الخطر
ومن أبرز ما كشفته الدراسة أن تصميم كرة القدم نفسها قد يلعب دوراً كبيراً في حجم الضغط المنتقل إلى الرأس.
فقد أظهرت النتائج أن بعض الكرات الحديثة المصنوعة بطرق صناعية تولد مستويات ضغط أعلى بكثير مقارنة بالكرات الجلدية التقليدية، على الرغم من أن جميعها تستوفي المعايير الرياضية الرسمية.
وبحسب الباحثين، فإن الفارق بين أعلى كرة وأقل كرة من حيث الضغط المنقول إلى النموذج الدماغي وصل إلى أكثر من تسع مرات، بينما بلغ الفارق في الطاقة المنتقلة نحو 55 مرة.
المطر يزيد التأثير داخل الجمجمة
وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن الظروف المناخية قد تؤثر بشكل مباشر في حجم الضغط الداخلي الناتج عن ضربات الرأس. فالكرات الجلدية المبللة، على سبيل المثال، نقلت مستويات ضغط أعلى بأكثر من أربع مرات مقارنة بالكرات الجافة، ما يطرح تساؤلات إضافية حول تأثير الأمطار والرطوبة على سلامة اللاعبين خلال المباريات.
هل كانت كرة القدم تقيس المؤشر الخطأ؟
على مدى سنوات، اعتمدت معايير تقييم خطر ضربات الرأس على قياس تسارع الجمجمة بعد الاصطدام، لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن موجات الضغط الداخلية تحدث قبل مرحلة التسارع نفسها.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يدفع مستقبلاً إلى تطوير طرق جديدة لتقييم سلامة كرات القدم، وربما إعادة النظر في تصميم الكرات والمواد المستخدمة في تصنيعها، بدلاً من التركيز فقط على تقليل ضربات الرأس أو حظرها.
الدراسة لا تحسم العلاقة مع الخرف
وعلى الرغم من أهمية النتائج، شدد الباحثون على أن النموذج المستخدم لا يمثل دماغاً بشرياً حقيقياً، بل وسطاً هلامياً يحاكي خصائص الأنسجة الدماغية، ما يعني أن الدراسة تكشف آلية فيزيائية محتملة لكنها لا تثبت حدوث تلف عصبي مباشر لدى اللاعبين.
كما أكد الفريق العلمي أن العلاقة بين هذه الموجات ومعدلات الخرف لدى لاعبي كرة القدم ما تزال بحاجة إلى أبحاث إضافية وتجارب أوسع على البشر.
وفي ظل استمرار الجدل العالمي حول تأثير ضربات الرأس في كرة القدم، تفتح هذه الدراسة باباً جديداً للنقاش حول تصميم الكرات، وطرق قياس الخطر، ومستقبل معايير السلامة في اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
اقرأ المزيد
ثورة في الطب الحيوي: هندسة مادية خارقة من هارفارد تروّض البكتيريا المعدلة وراثياً داخل الجسم
أعمار مفصلية: لماذا يتغير دماغك بشكل مفاجئ عند سن الـ 9، 32، 66، و83؟
رحيل معمّر سعودي يثير الجدل حول حدود العمر الذي يمكن أن يبلغه الإنسان

