وطن-عاد الجدل حول عدد الوجبات اليومية المناسب للصحة إلى الواجهة، مع تزايد الاهتمام بأنظمة مثل الصيام المتقطع وتقليل عدد مرات الأكل خلال اليوم. فبعد سنوات طويلة ظل فيها نموذج “خمس وجبات يومياً” هو الأكثر شيوعاً بين نصائح التغذية، بدأت اتجاهات حديثة تميل إلى تبسيط النظام الغذائي والاكتفاء بوجبتين أو ثلاث، شرط أن تكون الوجبات متوازنة وتلبي احتياجات الجسم.
وقالت صحيفة “إل إنديبندينتي” الإسبانية في تقرير تناول النقاش الدائر بين خبراء التغذية والأطباء، إن السؤال الأساسي لم يعد: “هل يجب أن نأكل خمس مرات يومياً؟”، بل أصبح: “ما النظام الذي يمكن الالتزام به صحياً على المدى الطويل؟”. فالدراسات الحديثة لا تدعم فكرة أن زيادة عدد الوجبات تؤدي وحدها إلى تسريع عملية التمثيل الغذائي أو حرق سعرات حرارية أكثر.
هل خمس وجبات يومياً ضرورية فعلاً؟
ظل نظام خمس وجبات في اليوم، الذي يتكون من الإفطار ووجبة خفيفة منتصف الصباح والغداء ووجبة العصر والعشاء، توصية شائعة لعقود. وكان الهدف منه الحفاظ على مستويات طاقة مستقرة طوال اليوم، وتجنب الشعور بالجوع الشديد قبل الوجبات الرئيسية، ما قد يدفع إلى الإفراط في تناول الطعام.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن هذا النمط قد يكون مناسباً في حالات محددة، مثل الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة، أو لديهم يوم منظم يحتاج إلى توزيع الطاقة على فترات، أو يمارسون نشاطاً بدنياً منتظماً، أو يعانون من نوبات جوع قوية إذا طالت ساعات الصيام بين الوجبات.
لكن الصحيفة أوضحت أن تعميم قاعدة “خمس وجبات للجميع” لم يعد يحظى بالإجماع نفسه بين المتخصصين. فالجسم لا يتعامل مع عدد الوجبات بمعزل عن عوامل أخرى أكثر أهمية، مثل نوعية الطعام، وكمية السعرات، ومستوى الحركة، والكتلة العضلية، وطبيعة الحياة اليومية لكل شخص.
هل تناول الطعام مرات أكثر يسرّع الحرق؟
لفترة طويلة، انتشرت فكرة أن تناول الطعام مرات عدة في اليوم يساعد على “تنشيط الحرق” أو رفع معدل الأيض. غير أن الأدلة العلمية الحديثة لا تؤكد هذا التصور بالصورة التي شاع بها بين الناس.
وقالت الصحيفة إن إجمالي الطاقة التي يستهلكها الجسم خلال اليوم لا يرتفع فقط لأن الشخص قسم طعامه إلى خمس وجبات بدلاً من وجبتين أو ثلاث، طالما أن مجموع السعرات الحرارية المتناولة في نهاية اليوم هو نفسه. وبمعنى أوضح، فإن تناول الطعام مرات أكثر لا يعني بالضرورة حرق سعرات أكثر.
ويعتمد معدل الأيض أو التمثيل الغذائي بدرجة أكبر على عوامل مثل الكتلة العضلية، والنشاط البدني، والجينات، وتوازن الطاقة بين ما يدخل الجسم من سعرات وما يستهلكه. لذلك فإن عدد الوجبات وحده ليس عاملاً حاسماً في إنقاص الوزن أو تحسين الصحة.
وجبتان أو ثلاث يومياً.. اتجاه أكثر بساطة
في السنوات الأخيرة، اكتسبت الأنظمة التي تعتمد على وجبتين أو ثلاث وجبات يومياً شعبية متزايدة. وقد يختار البعض تناول الإفطار والغداء والعشاء فقط، بينما يفضل آخرون الاكتفاء بوجبتين رئيسيتين، وفقاً لاحتياجاتهم وساعات عملهم ونمط حياتهم.
وأضافت الصحيفة الإسبانية أن هذا التوجه يرتبط لدى بعض الأشخاص بإحساس أكبر بالتحكم في الشهية، وتقليل تناول الوجبات الخفيفة غير المخطط لها، وتبسيط عملية إعداد الطعام وتنظيم اليوم. كما أن بعض من يتبعون هذا النمط يجدون أنه يساعدهم على تجنب “الأكل التلقائي” بين الوجبات، خاصة عند الجلوس لساعات طويلة أو العمل من المنزل.
وفي السياق نفسه، ازداد الاهتمام بنظام الصيام المتقطع، حيث يتم حصر تناول الطعام داخل نافذة زمنية محددة خلال اليوم، مثل 8 أو 10 ساعات، مع الامتناع عن الأكل خلال بقية الساعات. ويرى بعض الخبراء أن فترات الامتناع عن الطعام قد تمنح الجهاز الهضمي وقتاً للراحة، وقد تساعد بعض الأشخاص على تقليل استهلاك السعرات دون الحاجة إلى حساب دقيق لكل وجبة.
لكن الصحيفة شددت على أن الأدلة العلمية لا تثبت أن الصيام المتقطع أو تقليل عدد الوجبات أفضل للجميع من نظام الوجبات المتعددة. فنجاح أي نمط غذائي يتوقف في النهاية على قدرته على توفير احتياجات الجسم، ومدى سهولة الالتزام به، وعدم تحوله إلى مصدر ضغط أو حرمان.
ما العامل الأهم في النظام الغذائي اليومي؟
يؤكد خبراء التغذية أن النقاش الحقيقي لا يجب أن يتركز فقط على عدد الوجبات، بل على جودة الغذاء. فالنظام الصحي لا تحدده الساعة التي نتناول فيها الطعام فقط، بل تحدده مكونات الوجبة نفسها: هل تحتوي على بروتين كافٍ؟ هل تشمل خضروات وأليافاً؟ هل تعتمد على أطعمة طازجة ومغذية أم على سكريات ودهون مشبعة ومنتجات عالية التصنيع؟
وبحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية، فإن العوامل الأكثر تأثيراً في الصحة والوزن هي إجمالي السعرات الحرارية خلال اليوم، ونوعية الأطعمة، وتوازن العناصر الغذائية، والقدرة على الاستمرار في النظام الغذائي دون انقطاع. لذلك يمكن لنظام مكون من ثلاث وجبات أن يكون صحياً تماماً، كما يمكن لنظام خمس وجبات أن يكون مناسباً أيضاً، إذا كان متوازناً ومبنياً على اختيارات غذائية جيدة.
أما إذا كانت الوجبات المتعددة مليئة بالحلويات والمخبوزات والوجبات السريعة والمشروبات السكرية، فلن يكون عددها مفيداً. وفي المقابل، إذا كانت وجبتان يومياً لا توفران للجسم ما يحتاجه من بروتين وفيتامينات ومعادن وطاقة كافية، فقد لا يكون هذا النمط مناسباً لصاحبه.
كيف تعرف عدد الوجبات المناسب لك؟
يميل خبراء التغذية اليوم إلى تجنب القواعد الصارمة التي تُفرض على الجميع. فليس هناك رقم مثالي يصلح لكل الناس، لأن الاحتياجات تختلف من شخص إلى آخر تبعاً للعمر، والنشاط، والحالة الصحية، والهدف الغذائي، وساعات النوم والعمل.
وكشفت الصحيفة أن مستوى النشاط البدني يعد من العوامل الأساسية؛ فالشخص الرياضي أو كثير الحركة قد يحتاج إلى توزيع طاقته على أكثر من وجبة، بينما قد يجد شخص آخر قليل الحركة أن وجبتين أو ثلاثاً تكفيه. كذلك تؤثر طبيعة العمل أو الدراسة أو المناوبات الليلية في مواعيد الطعام وعدد الوجبات الممكنة خلال اليوم.
وتلعب إشارات الجوع والشبع دوراً مهماً أيضاً. فهناك أشخاص يستطيعون قضاء ساعات طويلة دون طعام من دون تراجع في التركيز أو الطاقة، بينما يشعر آخرون بالتعب أو الصداع أو الجوع الشديد إذا طالت الفترة بين الوجبات. كذلك تختلف الخطة حسب الهدف: فالشخص الذي يسعى إلى خسارة الوزن قد يحتاج إلى تنظيم معين، بينما من يريد بناء كتلة عضلية قد يحتاج إلى توزيع البروتين والطاقة بشكل مختلف.
لا توجد قاعدة واحدة للجميع
في النهاية، لا يملك سؤال “كم وجبة يجب تناولها يومياً؟” إجابة واحدة ثابتة. فكل من نظام الوجبتين أو الثلاث وجبات، ونظام الخمس وجبات، قد يكون مناسباً إذا كان قائماً على غذاء متوازن وكميات كافية ونمط يمكن الالتزام به.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن أفضل طريقة لتناول الطعام ليست بالضرورة الأكثر انتشاراً أو الأكثر تنظيماً، بل هي التي تناسب حياة الشخص واحتياجاته وتساعده على الحفاظ على عادات صحية طويلة الأمد. فالمعيار الحقيقي ليس عدد مرات الأكل، بل جودة ما نأكله، واعتدال الكميات، وقدرتنا على الاستمرار دون إفراط أو حرمان.
اقرا المزيد
أسرار الشباب الدائم بعد الستين: كيف تعيد “الميتوكوندريا” والالتهام الذاتي نضارة البشرة من الداخل؟
الهرمونات ومستقبل صحتك.. دليلك لفهم الغدد المتحكمة في نشاطك اليومي
خبير قلب يوصي: تناول السردين مرتين أسبوعياً لهذا السبب المذهل!

