وطن-مع اقتراب الرئيس الفلسطيني محمود عباس من عامه التسعين، تتصاعد داخل الأوساط الفلسطينية والإقليمية تساؤلات حادة بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية، وهوية الرجل الذي قد يرث النفوذ السياسي والأمني داخل حركة فتح ومؤسسات الحكم في رام الله. لكن الجدل هذه المرة لا يدور حول قيادات تاريخية داخل الحركة، بل حول اسم بات يتردد بقوة في الكواليس السياسية: ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت تقارير وتحليلات تتحدث عن تحركات متزايدة لياسر عباس داخل دوائر القرار، في مشهد وصفه خصوم السلطة بأنه محاولة “توريث سياسي” تعيد إنتاج نماذج الحكم العائلي في المنطقة، بينما يراه مقربون من السلطة مجرد تضخيم إعلامي لتحركات طبيعية مرتبطة بابن رئيس ما يزال في السلطة منذ عام 2005.
وتشير تقارير متداولة إلى أن ياسر عباس بات يظهر بصورة أكثر انتظاماً في لقاءات رسمية واجتماعات حساسة، بينها لقاءات مع شخصيات أمنية وقيادات داخل حركة فتح، إضافة إلى مشاركته في وفود وتحركات أثارت تساؤلات داخل الشارع الفلسطيني بشأن طبيعة الدور الذي يُحضّر له داخل النظام السياسي الفلسطيني.
الأكثر إثارة للجدل كان ظهوره بملابس شبيهة بالزي العسكري الذي ارتبط تاريخياً بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلى جانب استخدامه كنية “أبو عمار”، وهي الكنية نفسها التي ارتبطت بعرفات لعقود طويلة، ما دفع كثيرين إلى اعتبار الأمر محاولة لصناعة رمزية سياسية تستحضر إرث الزعيم الراحل في لحظة حساسة تعيشها القضية الفلسطينية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تواجه فيه السلطة الفلسطينية انتقادات غير مسبوقة تتعلق بالفساد، وتعطيل الانتخابات، وتراجع الثقة الشعبية بمؤسسات الحكم، خاصة بعد سنوات من الانقسام الفلسطيني وتداعيات الحرب الأخيرة على غزة، التي أعادت ملف “إصلاح السلطة” إلى صدارة النقاش الدولي والإقليمي.
داخل حركة فتح نفسها، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الدفع باسم ياسر عباس إلى تفجير صراع داخلي على الخلافة، خصوصاً أن الحركة تضم قيادات تاريخية وأمنية ترى نفسها أحق بقيادة المرحلة المقبلة. كما يخشى كثيرون من أن يتحول المشهد الفلسطيني إلى نموذج حكم مغلق تديره دائرة ضيقة مرتبطة بالعائلة والنفوذ الأمني، بعيداً عن صناديق الاقتراع والتوافق الوطني.
ويرى مراقبون أن حساسية ملف الخلافة الفلسطينية تضاعفت بعد الحرب على غزة، في ظل ضغوط أمريكية وأوروبية وعربية لإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية وتجديد شرعيتها السياسية. لكن بدلاً من الحديث عن انتخابات أو إصلاحات عميقة، عاد الجدل ليركز على صراع النفوذ داخل أروقة السلطة، وعلى الأسماء التي قد ترث الحكم في مرحلة ما بعد محمود عباس.
وفي الشارع الفلسطيني، يتردد سؤال بات أكثر حضوراً من أي وقت مضى: هل تتحول السلطة الفلسطينية فعلاً إلى “حكم عائلي”؟ أم أن ما يجري مجرد ترتيبات داخلية مؤقتة في ظل غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد عباس؟
ومع استمرار الغموض الرسمي، وتزايد المؤشرات على احتدام الصراع داخل حركة فتح، يبدو أن معركة الخلافة الفلسطينية دخلت بالفعل مرحلة مبكرة وخطيرة، قد تعيد رسم موازين القوى داخل السلطة الفلسطينية في لحظة تعد من الأكثر حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث.
اقرأ المزيد
قرار محمود عباس بوقف رواتب الأسرى يثير غضب الفلسطينيين ويُشعل الجدل حول الحقوق الوطنية

