وطن-عاد وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان من الجزائر بعد زيارة حاول خلالها إعادة تحريك ملف التعاون القضائي بين باريس والجزائر، في توقيت تتداخل فيه القضايا الأمنية والسياسية مع ملفات حساسة تتعلق بمعارضين جزائريين يقيمون في فرنسا ويحظى بعضهم بوضع قانوني خاص.
وقالت وسائل إعلام فرنسية، بينها “فرانس إنفو”، إن زيارة دارمانان إلى الجزائر شهدت عقد عدة اجتماعات رسمية إلى جانب عشاء عمل، بمشاركة قضاة ومسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين الفرنسي والجزائري، في محاولة لإعادة بناء قنوات التعاون القضائي بين البلدين بعد فترة من التوتر والجمود.
وبحسب ما أوردته “فرانس إنفو”، فإن وزير العدل الفرنسي يسعى إلى تعزيز التنسيق القضائي مع السلطات الجزائرية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بمكافحة شبكات الجريمة المنظمة، وعلى رأسها ما يعرف بـ”دي زد مافيا” DZ Mafia، وهي من القضايا التي تثير اهتماماً متزايداً لدى الأجهزة القضائية والأمنية في فرنسا.
غير أن هذا المسار لا يبدو سهلاً، إذ تطرح الجزائر في المقابل سلسلة مطالب شديدة الحساسية، من المقرر أن يحملها قضاة ومسؤولون جزائريون خلال زيارة مرتقبة إلى باريس مطلع يونيو المقبل. ووفق الصحيفة الفرنسية، فإن بعض هذه المطالب تبدو بالنسبة إلى الجانب الفرنسي “شبه مستحيلة” من الناحية القانونية والسياسية.
في مقدمة الملفات الخلافية، تبرز قضية المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا، خصوصاً المؤثرين الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي لانتقاد النظام الجزائري. وتعتبر الجزائر أن بعض هؤلاء يمثلون تهديداً سياسياً وإعلامياً، بينما تنظر فرنسا إلى وضعهم من زاوية قانونية تتعلق بحرية التعبير والحماية التي يوفرها نظام اللجوء السياسي.
وكشفت “فرانس إنفو” أن أبرز هذه الأسماء هو المؤثر المعروف باسم أمير DZ، الذي يتابعه أكثر من 15 مليون شخص على منصات التواصل. ويظهر أمير DZ بانتظام في مقاطع فيديو ينتقد فيها السلطات الجزائرية، ما جعله واحداً من أكثر الشخصيات المعارضة إثارة للجدل في العلاقة بين باريس والجزائر.
ازدادت القضية تعقيداً قبل عامين، عندما تعرض أمير DZ لعملية اختطاف استمرت 72 ساعة داخل الأراضي الفرنسية، في واقعة أثارت اهتمام القضاء الفرنسي وفتحت الباب أمام تحقيقات حساسة. وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام الفرنسية، فإن أحد المشتبه بهم في هذه القضية هو موظف قنصلي جزائري.
وتطالب الجزائر اليوم بالإفراج عن هذا الموظف القنصلي، وهو مطلب تعتبره باريس بالغ الصعوبة، لأن الرجل موقوف بموجب قرار قضائي فرنسي، ولا يمكن للسلطة التنفيذية التدخل مباشرة في مسار العدالة. هذا ما أكده كزافييه دريونكور، السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، في تصريح نقلته “فرانس إنفو”.
وقال دريونكور إن “هذا الموظف القنصلي موجود في السجن، والجزائر تطالب باستعادته حتى لا يتحدث أمام القضاة في فرنسا”، مضيفاً أن وضعه “خاضع لقرار قضائي، وبالتالي فإن المسألة معقدة جداً”. ويعكس هذا التصريح حجم الفجوة بين ما تطالب به الجزائر وما تستطيع الحكومة الفرنسية فعلياً القيام به في ظل استقلال القضاء.
ولا تقتصر المطالب الجزائرية على هذا الملف وحده. فبحسب ما أوردته “فرانس إنفو”، تطالب الجزائر أيضاً بتسليم أو ملاحقة معارضين آخرين يقيمون في فرنسا، غير أن عدداً منهم يتمتع بصفة لاجئ سياسي، ما يجعل أي إجراء ضدهم محكوماً بقواعد قانونية صارمة، ولا يخضع مباشرة لقرار وزير العدل الفرنسي.
وتضع هذه الملفات جيرالد دارمانان أمام معادلة معقدة؛ فهو يريد إظهار قدرته على تحقيق نتائج في ملف التعاون القضائي مع الجزائر، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات السياسية في فرنسا، لكنه في الوقت نفسه لا يملك صلاحيات مباشرة للتدخل في ملفات قضائية مفتوحة أو في أوضاع أشخاص يتمتعون بالحماية القانونية على الأراضي الفرنسية.
وتشير المعطيات التي نقلتها الصحيفة الفرنسية إلى أن الزيارة، رغم أهميتها السياسية، لم تحسم القضايا العالقة بين باريس والجزائر. فالتعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والهجرة والملفات القضائية يحتاج إلى تفاهمات عملية، بينما تبقى قضية المعارضين الجزائريين في فرنسا واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقات بين البلدين.
وبذلك، يعود دارمانان من الجزائر وقد أعاد فتح قنوات الحوار القضائي، لكن الطريق نحو اتفاقات ملموسة لا يزال طويلاً، خصوصاً في ظل مطالب جزائرية تصطدم، كما تقول مصادر فرنسية، بحدود القانون الفرنسي واستقلال القضاء ووضعية اللاجئين السياسيين.
اقرأ المزيد
الجزائر تجرّم الاستعمار الفرنسي وتطالب بالاعتراف والاعتذار والتعويض
بين الإفراج عن “غليز” وتسليم المعارضين.. كواليس ساعتين ونصف من المفاوضات الساخنة بين تبون ودارمانان

