وطن-تواجه شوكولاتة دبي، التي تحولت خلال وقت قصير إلى رمز للرفاهية وواحدة من أشهر صيحات الحلويات على منصات التواصل، تهديداً غير متوقع قد يربك صناعتها وسلاسل توريدها. فالحلوى الفاخرة المحشوة بالفستق وطبقات الكنافة أو عجينة الفيلو، والتي خرجت من متاجر دبي الراقية إلى مخابز لندن وأسواق عالمية عدة، باتت اليوم مرتبطة بأزمة جيوسياسية تمتد إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز.
وقالت صحيفة “ذا تليغراف” البريطانية إن شوكولاتة دبي، التي انتشرت عالمياً بفضل مقاطع الفيديو القصيرة على “تيك توك”، لم تعد مجرد منتج حلويات عابر، بل أصبحت أشبه برمز اجتماعي للترف، على غرار الماتشا والكمأة، بعدما ساهم مشاهير ومؤثرون في تحويلها إلى ظاهرة عالمية. وانتقلت عدوى الطلب الكبير على الفستق من المتاجر الصغيرة إلى علامات عالمية كبرى، من بينها ليندت وستاربكس، التي اتجهت بدورها إلى إدخال الفستق في منتجاتها الجديدة.
وبدأت القصة في عام 2023، عندما ظهرت شوكولاتة دبي للمرة الأولى كمنتج محلي فاخر، قبل أن تتحول سريعاً إلى ظاهرة ثقافية على الإنترنت. وانتشرت مقاطع فتح ألواح الشوكولاتة المحشوة بمزيج أخضر غني من الفستق على نطاق واسع، وشاهدها ملايين المستخدمين حول العالم، خصوصاً بعد مشاركة مؤثرين ومشاهير، بينهم أفراد من عائلة كارداشيان، في موجة الترويج غير المباشر لهذا المنتج.
لكن الصحيفة البريطانية أوضحت أن النجاح الذي صنعته منصات التواصل قد يواجه اختباراً صعباً بسبب اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد تهديدات إيرانية سابقة، ثم تصاعد الضغوط العسكرية الأمريكية في المنطقة. وأدى هذا التوتر إلى تعطيل حركة بعض الشحنات، ومن بينها شحنات الفستق الإيراني، وهو مكون أساسي تعتمد عليه شركات الحلويات في دبي والخليج.
وبحسب ما أوردته “ذا تليغراف”، أكدت جمعية الفستق الإيرانية أن الصادرات المتجهة إلى الإمارات ودول خليجية أخرى ظلت “منخفضة” بسبب “الأعمال العدائية وتوقف الشحنات”، مرجحة استمرار هذا الوضع ما لم يُعاد فتح الممر البحري بالكامل وتعود حركة الملاحة إلى طبيعتها. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسواق الفستق العالمية ضغوطاً متزايدة، مع تشديد مسارات الشحن وبدء بعض التجار في تخزين الكميات المتاحة تحسباً لمزيد من الارتفاعات.
وتشير تقارير مالية إلى أن أسعار الفستق قفزت إلى أعلى مستوى لها منذ ثماني سنوات، في ظل نقص المعروض وارتفاع تكاليف النقل. وقال مستوردون إن الأسعار في سوق الجملة ارتفعت خلال الأسابيع الأخيرة من نحو 22 دولاراً للكيلوغرام إلى ما يقارب 25 دولاراً، وهو ارتفاع قد ينعكس قريباً على أسعار الحلويات الفاخرة، وفي مقدمتها شوكولاتة دبي.
وتنتج إيران نحو خمس الفستق في العالم، وتتمتع حبات الفستق الإيراني بسمعة قوية في أسواق الشرق الأوسط، بسبب ارتفاع محتواها من الزيت ونكهتها الأكثر عمقاً مقارنة بأنواع أخرى. ولهذا، لا يبدو التحول إلى الفستق الأمريكي خياراً سهلاً بالنسبة لصناع الشوكولاتة في دبي، إذ يرى كثير من العاملين في قطاع الحلويات أن الفستق الأمريكي أكثر جفافاً وأقل ملاءمة للحشوات الكريمية المستخدمة في المنتجات الفاخرة.
وأضافت صحيفة “ذا تليغراف” أن أزمة التوريد لا تقتصر على الفستق وحده، بل بدأت تمتد إلى مكونات أخرى مهمة في الحلويات الشرقية، مثل الزبيب والزعفران. وهذه المكونات تعد ركائز أساسية في مطابخ الخليج والشرق الأوسط، خصوصاً في صناعة أصناف تقليدية شهيرة مثل البقلاوة، التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من تجارة الحلويات في المنطقة.
وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار اضطراب الشحن إلى رفع أسعار البقلاوة والحلويات الشرقية عموماً، خصوصاً أن التجار في دول الخليج كانوا قد خزنوا كميات كبيرة قبل شهر رمضان، ما ساعد مؤقتاً في حماية المستهلكين من موجة ارتفاعات حادة. غير أن كثيرين في السوق لا يعتقدون أن هذه المخزونات قادرة على الصمود طويلاً إذا استمرت أزمة مضيق هرمز.
وفي لندن، حيث تنتشر متاجر الحلويات الشرقية في مناطق يرتادها بكثافة أبناء الجاليات العربية والشرق أوسطية، مثل إدجوير رود ونايتسبريدج، بدأت المخاوف تظهر بوضوح. فبعض أصحاب المتاجر يتوقعون اضطرارهم إلى رفع الأسعار قريباً إذا استمرت تكلفة الفستق الإيراني في الصعود، خصوصاً أن المستهلكين باتوا أكثر إقبالاً على المنتجات المحشوة بالفستق بعد انتشار موضة شوكولاتة دبي.
غير أن التأثير لا يبدو موحداً على جميع المتاجر. فوفقاً لما ذكرته ذا تليغراف، فإن سلاسل حلويات مثل “محمود أفندي”، التي تعتمد بدرجة أكبر على الفستق التركي، لا تزال بعيدة نسبياً عن الضغوط الحالية المرتبطة بالفستق الإيراني، ما يمنحها هامشاً أكبر للحفاظ على أسعارها مقارنة بالمنافسين الذين يعتمدون على الإمدادات القادمة من إيران.
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ فإغلاق أو اضطراب مضيق هرمز، إلى جانب ارتباط إمدادات الفستق الأمريكي بعقود قائمة مسبقاً، فتح الباب أمام منتجين آخرين في المنطقة للاستفادة من الفراغ. ويجد مزارعو الفستق في غازي عنتاب التركية وشمال سوريا أنفسهم اليوم في موقع تجاري أفضل، بعدما بدأوا في سد النقص الناتج عن تراجع الإمدادات الإيرانية.
وبذلك، فإن حلوى ارتبطت في بدايتها بصورة الرفاهية الخليجية وبالفستق الإيراني الفاخر، قد تقود في نهاية المطاف إلى إنعاش مزارعين في تركيا وسوريا، في مشهد يعكس كيف يمكن للتوترات الجيوسياسية والحروب والعقوبات أن تعيد رسم خريطة تجارة الحلويات في الشرق الأوسط والعالم. وبينما تواصل شوكولاتة دبي حضورها القوي على منصات التواصل، يبقى مستقبل أسعارها مرهوناً بما سيحدث في مضيق هرمز وأسواق الفستق العالمية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضاً
بسبب حرب هرمز.. خبراء الشحن البحري يدرسون نقل مقراتهم من دبي إلى اليونان
خروج الإمارات من أوبك يضع السعودية أمام تحديات جديدة في سوق النفط العالمي

