وطن-في خطوة أثارت تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحقوقية في بريطانيا، أوقف عمدة لندن صادق خان صفقة ضخمة بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني، نحو 67 مليون دولار، بين شرطة العاصمة البريطانية وشركة التكنولوجيا الأميركية «بالانتير»، التي تواجه انتقادات متصاعدة بسبب ارتباطات تقنية وعسكرية بإسرائيل واستخدام أدواتها في ملفات أمنية حساسة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن قرار خان، الذي صدر الخميس، جاء بعد رصد ما وصفه مكتب العمدة بـ«خرق واضح وخطير» لقواعد المشتريات العامة، في صفقة كانت ستصبح الأكبر من نوعها بين الشركة الأميركية وقوة شرطة في المملكة المتحدة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، كانت شرطة لندن، المعروفة باسم «متروبوليتان بوليس»، تجري محادثات لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «بالانتير» في أتمتة تحليل المعلومات الاستخباراتية ضمن التحقيقات الجنائية، وهي خطوة كشفت عنها أيضاً صحيفة «الغارديان» البريطانية.
ترحيب حقوقي وتحذيرات من عقود أصغر
رحبت حملات التضامن مع فلسطين وحزب الخضر البريطاني بقرار عمدة لندن، معتبرين أنه يمثل انتصاراً مهماً ضد توسيع حضور «بالانتير» داخل مؤسسات الدولة البريطانية. غير أن هذه الجهات حذرت، في الوقت نفسه، من أن عقوداً أصغر لا تزال قائمة بين الشركة وشرطة لندن.
وأضافت صحيفة «ميدل إيست آي» أن شركة «بالانتير» لا تزال تتمتع بعقود مع وزارة الدفاع البريطانية وهيئة الخدمات الصحية الوطنية «NHS»، فضلاً عن عقود مع جهات حكومية وأمنية أخرى، رغم الانتقادات الحقوقية المتزايدة لدورها في تزويد إسرائيل بتقنيات مرتبطة بالمراقبة وتحليل البيانات.
وترتبط «بالانتير»، وفق منظمات حقوقية وحملات مؤيدة لفلسطين، باتهامات تتعلق باستخدام تقنياتها من جانب الجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة وفي إدارة منظومات مرتبطة بالاحتلال في الضفة الغربية، وذلك عبر عقد أبرمته الشركة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية، إلى جانب استخدام إسرائيل لتقنيات الشركة في مهام أمنية وعسكرية.
عقد قائم بنحو نصف مليون جنيه
وعلى الرغم من وقف الصفقة الكبرى، كشفت صحيفة «ميدل إيست آي» أن شرطة العاصمة البريطانية منحت «بالانتير» في فبراير 2026 عقداً بقيمة تقارب 500 ألف جنيه إسترليني، لاستخدام نظام تشغيل تابع للشركة ضمن ما يعرف بوظيفة «الخدمات المهنية» داخل الشرطة.
وبحسب الصحيفة، يتضمن المشروع التجريبي استخدام أداة ذكاء اصطناعي من «بالانتير» لتقييم بيانات الأجهزة الخاصة بضباط الشرطة، وهو ما أثار مخاوف داخلية بين عناصر الشرطة نفسها، إضافة إلى اعتراضات سياسية وحقوقية.
وأوضحت الصحيفة أن شرطة لندن تعتبر «بالانتير» مورداً مناسباً لأن الشركة مستخدمة بالفعل داخل الحكومة البريطانية، وهو ما ظهر خلال اجتماع للجنة الشرطة والجريمة في جمعية لندن، حين تحدث نائب مفوض شرطة العاصمة، مات جوكس، عن خلفية اختيار الشركة.
وقال جوكس، رداً على سؤال من عضو جمعية لندن عن حزب الخضر بن علي حمداتش بشأن ما إذا كانت سجلات حقوق الإنسان و«المشتريات الأخلاقية» قد أُخذت في الاعتبار، إن الشرطة لجأت إلى إطار حكومي يعرف باسم «G-Cloud 14»، يضم آلاف الموردين، لكنه يحتوي، في هذا المجال المحدد، على عدد محدود نسبياً من الشركات.
وأضاف جوكس، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»: «لقد ذهبنا، بالنسبة لهذا المشروع التجريبي، إلى مزود مستخدم بالفعل على نطاق واسع عبر الحكومة». لكنه أقر في الوقت نفسه بحساسية الأمر قائلاً: «نعرف، من الناحية السمعة العامة، أننا نستخدم مورداً مثيراً للانقسام في هذا الملف».
وتابع نائب مفوض الشرطة: «أنا لست هنا للدفاع عن بالانتير»، لكنه شدد على أن استخدام تقنيات الشركة من جانب «72 مؤسسة تابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية»، ووجودها ضمن أطر التوريد الحكومية، جعلاها من وجهة نظر الشرطة مورداً مناسباً.
عتبة رقابية مثيرة للجدل
قبل أن يوقف صادق خان الصفقة البالغة 50 مليون جنيه، كان قد عبّر عن «مخاوف من استخدام المال العام لدعم شركات تتصرف على نحو يتعارض مع قيم لندن».
وتخضع أي استثمارات لشرطة العاصمة البريطانية تتجاوز قيمتها 500 ألف جنيه إسترليني لموافقة مكتب العمدة للشرطة والجريمة «Mopac»، وذلك بموجب قواعد تهدف إلى ضمان الالتزام بالتشريعات وتوفير رقابة مستقلة على العقود الكبرى.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن بن علي حمداتش سأل نائب مفوض الشرطة عمّا إذا كانت «بالانتير» قد منحت الشرطة خصماً على عقودها التجريبية، في ضوء اتهامات سابقة للشركة باستخدام أسعار منخفضة لتجنب التدقيق والرقابة.
ورد جوكس قائلاً إن الشرطة يمكنها «أن تكون واضحة جداً بشأن تكاليف المشروع التجريبي». ووفق ما نقلته الصحيفة، بلغت قيمة العقد الأولي «أقل بقليل من 10 آلاف جنيه»، بينما وصل العقد الأحدث، الذي تم تمديده لثلاثة أشهر، إلى «أقل بقليل من 490 ألف جنيه». وبذلك يصبح إجمالي المبلغين أقل بقليل من 500 ألف جنيه، أي دون الحد الذي يستوجب رقابة وموافقة رسمية من مكتب العمدة.
خان: خرق خطير لقواعد المشتريات
وفي حديثه أمام جلسة مساءلة العمدة، قال صادق خان إن مكتبه طُلب منه اعتماد الصفقة رسمياً، لكنه خلال مراجعة الإجراءات حدد «عدداً من المخاوف الخطيرة».
وأوضح خان أن شرطة العاصمة لم تعرض استراتيجية المشتريات الخاصة بها على نائبة العمدة لشؤون الشرطة والجريمة لاعتمادها كما تقتضي قواعد التفويض في مكتب العمدة. وبدلاً من ذلك، مضت الشرطة في إجراءات الشراء حتى وصلت إلى مرحلة طلب موافقة المكتب على منح العقد.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، قال مكتب خان إن شرطة لندن كانت تخاطر بأن تصبح مقيدة بتقنيات «بالانتير» على المدى الطويل، مضيفاً أن الصفقة المقترحة لم تضمن أو تثبت تحقيق «قيمة مقابل المال» العام.
ونتيجة لذلك، قرر عمدة لندن عدم الموافقة على مضي شرطة العاصمة في منح العقد لشركة «بالانتير»، في ضربة واضحة لطموحات الشركة الأميركية داخل قطاع إنفاذ القانون البريطاني.
انتقادات حقوقية: الشركة مرتبطة باستخدامات عسكرية إسرائيلية
رحب كريستيان بنديكت، مدير الحملات في فرع منظمة العفو الدولية بالمملكة المتحدة، بقرار خان، قائلاً إن «هذه أخبار إيجابية». وأضاف أن «بالانتير شركة برمجيات أميركية تُستخدم أدواتها حالياً من جانب الجيش الإسرائيلي بينما يرتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة المحتلة»، بحسب تعبيره الذي نقلته صحيفة «ميدل إيست آي».
من جانبها، قالت حملة التضامن مع فلسطين «PSC» إن قرار العمدة جاء بعد حملات ضغط وتحرك شعبي ضد الصفقة. وأضافت الحملة أن «بالانتير تزود إسرائيل بتقنيات ذكاء اصطناعي ومراقبة تُستخدم في الإبادة في غزة»، مؤكدة أنه «لا ينبغي أن تحصل الشركة على أي بنس من المال العام».
وطالبت الحملة صادق خان بعدم الاكتفاء بوقف العقد الكبير، بل بالتدخل لإلغاء العقد القائم مع شرطة العاصمة، والبالغ نحو 500 ألف جنيه، لاستخدام تقنيات «بالانتير» في وظيفة «الخدمات المهنية» داخل القوة.
حزب الخضر: المشكلة لم تنتهِ
رحب بن علي حمداتش، عضو جمعية لندن عن حزب الخضر، بإلغاء الصفقة الكبرى، لكنه شدد على أن جوهر المشكلة لا يزال قائماً. وقال في تصريح لصحيفة «ميدل إيست آي» إن هناك «ثغرات خطيرة» في نظام المشتريات قد تسمح بتمرير صفقات مماثلة مستقبلاً.
وأضاف حمداتش: «من الجيد أن هذا العقد البالغ 50 مليون جنيه تم وقفه، لكن شرطة العاصمة لا تزال لديها عقود مع بالانتير تقارب قيمتها 500 ألف جنيه ولم يتم الطعن فيها».
وأشار السياسي المنتمي إلى حزب الخضر إلى استخدام تقنيات «بالانتير» في سياقات مثيرة للجدل، من بينها ما وصفه بدورها في «الإبادة الإسرائيلية في غزة»، واستخدامها من جانب وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «ICE»، إضافة إلى نشر الشركة مؤخراً بياناً فكرياً عبر الإنترنت تضمن، بحسب منتقديه، خطاباً قريباً من اليمين المتطرف.
وقال حمداتش إن رد الفعل الشعبي ضد الصفقة أصبح «من الصعب تجاهله»، مضيفاً أن عمدة لندن يبدو الآن وكأنه يحاول الابتعاد عن «العلاقة الوثيقة» بين حزب العمال و«بالانتير»، والاستماع أخيراً إلى الغضب والقلق داخل لندن.
اتحاد شرطة لندن يحذر الضباط
لم تقتصر الاعتراضات على السياسيين والناشطين الحقوقيين. ففي نهاية أبريل، انتقد اتحاد شرطة العاصمة البريطانية «MPF»، وهو الجهة النقابية الممثلة لضباط الشرطة، استخدام أداة الذكاء الاصطناعي التابعة لـ«بالانتير» في تقييم بيانات أجهزة الضباط.
وحذر الاتحاد زملاءه من ضرورة توخي «الحذر الشديد» عند حمل الأجهزة الصادرة عن شرطة العاصمة خلال أوقات الراحة وخارج ساعات العمل.
وقال الاتحاد إن هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي «سيلحق ضرراً بالغاً بثقة ضباط شرطة العاصمة في القوة»، وسيزيد من تدهور المعنويات داخل الشرطة، التي قال إنها تشهد بالفعل تراجعاً كبيراً.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، فإن هذا الجدل الداخلي يعكس اتساع دائرة المخاوف من إدخال أدوات ذكاء اصطناعي تابعة لشركة خاصة مثيرة للجدل إلى منظومات عمل الشرطة، سواء من زاوية الخصوصية أو الرقابة أو العلاقة بين المؤسسة الأمنية وموظفيها.
«بالانتير» والدولة البريطانية
يأتي قرار صادق خان في وقت تتصاعد فيه المعارضة داخل بريطانيا لتغلغل «بالانتير» في مؤسسات الدولة. فالشركة الأميركية، التي شارك في تأسيسها بيتر ثيل، أحد أبرز داعمي دونالد ترامب، تمتلك عقوداً مع وزارة الدفاع البريطانية وهيئة الخدمات الصحية الوطنية وقوات شرطة وهيئات حكومية أخرى، تقترب قيمتها الإجمالية من مليار دولار.
وقالت حملة التضامن مع فلسطين إن على الحكومة البريطانية التحرك لإلغاء جميع عقودها مع «بالانتير»، بما في ذلك عقد هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا، البالغ 330 مليون جنيه إسترليني، لتطوير وصيانة منصة البيانات الموحدة «Federated Data Platform» الخاصة بتخزين البيانات الطبية للمرضى.
وأضافت الحملة أن هذا العقد يواجه معارضة من عاملين في القطاع الصحي ومرضى ومنظمات حقوقية، معتبرة أن «العلاقة الوثيقة بين الحكومة البريطانية وبالانتير أمر مروّع».
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، فإن «بالانتير» تورطت سياسياً وحقوقياً في انتقادات واسعة بسبب علاقتها بإسرائيل، خصوصاً بعد توقيعها في يناير 2024 اتفاقاً مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لتقديم خدمات مرتبطة بـ«مهام ذات صلة بالحرب»، في وقت كانت فيه الحرب على غزة مستمرة.
وفي ذلك الوقت، قال الرئيس التنفيذي للشركة أليكس كارب إن خدمات «بالانتير» أصبحت مطلوبة بشدة بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023. كما عقدت الشركة اجتماعاً لمجلس إدارتها في تل أبيب، في خطوة وصفتها بأنها تعبير عن «التضامن» مع إسرائيل.
وفي أبريل الماضي، نشرت «بالانتير» بياناً فكرياً مستنداً في جانب كبير منه إلى كتاب لكارب، هاجم ما وصفه بـ«الثقافات الارتدادية»، وتضمن أفكاراً اعتبرها منتقدون قريبة من اليمين المتطرف. كما دافع البيان عن رؤية الملياردير إيلون ماسك للعالم، وانتقد محاولات إخراج الأثرياء من الحياة العامة عبر التدقيق في سلوكهم.
وبينما يمثل قرار صادق خان ضربة قوية لصفقة كبرى بين شرطة لندن و«بالانتير»، فإن الجدل لم ينتهِ بعد. فالعقد القائم بنحو نصف مليون جنيه، واتساع حضور الشركة داخل مؤسسات الدولة البريطانية، يضعان الحكومة والسلطات المحلية أمام أسئلة صعبة بشأن الشفافية، والرقابة على الذكاء الاصطناعي، وحدود استخدام المال العام مع شركات تواجه اتهامات حقوقية وسياسية عابرة للحدود.
اقرأ المزيد
سبت مشحون في لندن.. استنفار أمني “غير مسبوق” مع تزامن مسيرة النكبة 78 وتظاهرة اليمين المتطرف
ديفيد هيرست يحذر: إذا غادر المسلمون بريطانيا.. فاليهود هم الهدف القادم لليمين المتطرف
مأساة السجين محمد عمر خالد: كيف تحول سجن بريطاني إلى ساحة تعذيب لمرضى “الحثل العضلي”؟

