وطن-في وقت تتصدر فيه أزمات دولية كبرى واجهة الاهتمام العالمي، تبدو حرب السودان وكأنها مأساة تُدار في الظل. فالدولة التي تعيش منذ أكثر من ثلاثة أعوام واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، لا تعود إلى العناوين الدولية إلا عندما تصبح جزءًا من حسابات جيوسياسية أوسع، لا عندما تتفاقم معاناة ملايين المدنيين.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن السودان لم يعد غائبًا تمامًا عن المشهد الدولي، لكنه بات حاضرًا بشروط الآخرين. فالكارثة السودانية، رغم اتساعها، لا تحظى بالاهتمام ذاته الذي تناله أزمات أخرى، إلا حين يمكن ربطها بصراع إقليمي أكبر، خصوصًا التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
السودان.. حرب منسية رغم اتساع الكارثة الإنسانية
على مدى السنوات الثلاث الماضية، شهد السودان انهيارًا متدرجًا لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية. أكثر من 14 مليون شخص نزحوا من منازلهم، ومدن كاملة فرغت من سكانها، بينما تعطلت الأسواق، وأغلقت مستشفيات أبوابها أو واصلت العمل في ظروف قاسية من دون كهرباء أو أدوية أو كوادر طبية كافية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن هذه الوقائع ليست جديدة، لكن الجديد هو توقيت عودة السودان إلى العناوين الدولية وأسباب هذه العودة. فالعالم لم يلتفت إلى الأزمة بسبب تحذيرات المجاعة، أو سقوط المدنيين في الأسواق ومخيمات النزوح، بل بسبب إدراج الأزمة ضمن مواجهة جيوسياسية أوسع مرتبطة بإيران.
وجاء ذلك بوضوح في مارس، حين أعلنت وزارة الخارجية الأميركية خططًا لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية منظمة إرهابية أجنبية. وبررت واشنطن الخطوة باتهام الجماعة بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أعاد السودان فجأة إلى دائرة الاهتمام الدولي، لكن من زاوية أمنية وإقليمية لا إنسانية.
أزمة داخلية تحولت إلى ساحة نفوذ خارجية
تؤكد الصحيفة أن جوهر حرب السودان لا يزال داخليًا في الأساس. فالصراع مرتبط بفشل الانتقال السياسي، وبنية الدولة العسكرية، وتنافس قوى مسلحة على السلطة والموارد. غير أن تدخلات أطراف خارجية حولت الحرب إلى صراع أكثر فتكًا، بعدما تعاملت مع تفكك السودان باعتباره ساحة قابلة للاستثمار السياسي والعسكري، لا مأساة يجب إنهاؤها.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن ما تغير في عام 2026 ليس طبيعة الحرب بقدر ما تغيرت العدسة التي ينظر العالم من خلالها إلى السودان. فمع تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بدأ تصوير السودان بوصفه مساحة ضمن مواجهة إقليمية كبرى، لا دولة تعيش انهيارًا داخليًا واسع النطاق.
وفي هذا الإطار، لم تعد الجماعات المسلحة تُقرأ فقط باعتبارها أطرافًا محلية، بل بات يُنظر إليها أحيانًا كامتدادات لنفوذ إقليمي. كما أصبحت التطورات العسكرية، ولا سيما استخدام الطائرات المسيرة، تُفسر باعتبارها مؤشرات على اصطفافات أوسع في المنطقة.
لكن الصحيفة رأت أن هذا التفسير يختزل المشهد أكثر مما يشرحه. فالقوى السودانية ليست مجرد وكلاء بالمعنى المبسط، بل تتحرك وفق حسابات سياسية محلية تشكلت عبر سنوات من الانقسام الداخلي. وقد يؤثر الدعم الخارجي في ميزان القوى، لكنه لا يفسر وحده طبيعة الحرب ولا جذورها.
حين تتحول الحرب إلى ملف يُدار لا أزمة تُحل
وبحسب تحليل “ميدل إيست آي”، فإن إدخال السودان في سردية جيوسياسية أكبر يغير أولويات التعامل الدولي مع الأزمة. فالسؤال لا يعود: كيف يمكن إنهاء الحرب؟ بل: كيف يمكن احتواء تداعياتها على ملفات إقليمية أخرى؟
وهنا تكمن خطورة التحول، لأن الحروب التي تُدار غالبًا لا تُحل. فبدلًا من بناء مسار سياسي جاد يوقف القتال ويعيد الاعتبار للمدنيين، يصبح التركيز منصبًا على مراقبة التحالفات، وضبط التوازنات، وقياس تأثير الحرب على صراعات أخرى.
وترى الصحيفة أن هذا لا يمثل مجرد إهمال للأزمة السودانية، بل تشويهًا لطبيعتها. فالسودان مرئي على الساحة الدولية، لكنه لا يُرى من زاويته الخاصة، ولا تُفهم أزمته وفق احتياجات شعبه ومصالحه، بل عبر حسابات الأمن والنفوذ والمنافسة الإقليمية.
صدمة اقتصادية جديدة بسبب التصعيد مع إيران
إلى جانب إعادة تأطير الأزمة سياسيًا، يواجه السودان تداعيات اقتصادية متسارعة بسبب التوترات المرتبطة بالحرب أو التصعيد مع إيران. فقد أدت اضطرابات أسواق الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، في ظل مخاوف من تعطل طرق الشحن الرئيسية، خصوصًا مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية.
وقالت “ميدل إيست آي” إن هذه التطورات لا تبدو بعيدة بالنسبة لاقتصاد هش مثل الاقتصاد السوداني. فالبلاد تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود، ولذلك انعكست الصدمة العالمية بسرعة على الداخل، وارتفعت أسعار الوقود بصورة حادة خلال فترة قصيرة.
وفي السوق الموازية، قفز سعر جالون البنزين من نحو 18 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل قرابة 30 دولارًا، إلى ما يقرب من 30 ألف جنيه خلال أقل من أسبوع. وهذه الزيادة لا تمثل ارتفاعًا محدودًا في الأسعار، بل صدمة تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة اليومية.
فالوقود يحدد تكلفة النقل، والنقل يتحكم في وصول الغذاء، والغذاء يعني البقاء بالنسبة لملايين السودانيين. وعندما ترتفع كلفة نقل السلع، ترتفع أسعار الطعام، وتتباطأ سلاسل الإمداد أو تنهار، خاصة في بلد باتت فيه المسافة بين الجوع والنجاة ضيقة للغاية.
الأسواق تتوقف والأسعار تقفز
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن مدنًا مثل أم درمان وود مدني شهدت توقف بعض التجار عن البيع، بسبب عجزهم عن تسعير البضائع في سوق تتغير فيه التكاليف يوميًا. وخلال أيام قليلة، ارتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغرامًا بآلاف الجنيهات، بينما قفزت أسعار مواد البناء بأكثر من 50%.
وتوضح هذه التطورات طبيعة الانهيارات الاقتصادية في مناطق الحرب. فهي لا تقع كحدث واحد معزول، بل تأتي كسلسلة متتابعة من الأزمات؛ ارتفاع وقود، ثم زيادة نقل، ثم تضخم أسعار الغذاء، ثم توقف تجارة، ثم نقص أدوية وسلع أساسية.
وكان التضخم في السودان مرتفعًا أصلًا قبل الصدمة الأخيرة، إذ تجاوزت نسبته الرسمية 56% في مطلع 2026. غير أن الواقع المعيشي بات أكثر قسوة مما تعكسه الأرقام الرسمية، مع ارتفاع أسعار الوقود، واضطراب الاستيراد، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب الصحيفة، لا تقتصر الأزمة على الوقود وحده. فالاضطرابات العالمية المرتبطة بالتوتر مع إيران أثرت أيضًا في الأسمدة والشحن وسلاسل التوريد. كما أصبحت الأدوية أكثر صعوبة في الوصول، بعدما عجزت صيدليات كثيرة عن تجديد مخزونها، ما يجعل أمراضًا بسيطة أو حالات مزمنة خطرًا مباشرًا على حياة المرضى.
السودان أكثر أهمية سياسيًا وأقل حضورًا إنسانيًا
المفارقة، كما تشير “ميدل إيست آي”، أن السودان أصبح أكثر أهمية في الحسابات الجيوسياسية، لكنه في الوقت ذاته صار أقل حضورًا من الناحية الإنسانية. فالأزمة تُحجب خلف صراعات أكبر، وفي مقدمتها التصعيد المرتبط بإيران، بينما يُدفع المدنيون إلى هامش النقاش حتى عند الحديث عن السودان نفسه.
وتحل محل معاناة السكان لغة الأمن والتحالفات والتموضع الاستراتيجي. ومع مرور الوقت، تتراجع الأولويات الإنسانية أمام قراءات سياسية وعسكرية لا تضع حياة السودانيين في مركز الاهتمام.
وتظهر نتائج هذا التشويه بوضوح. فالاحتياجات الإنسانية تفوق التمويل المتاح، والانهيار الاقتصادي يزداد عمقًا، والقوى المسلحة تواصل تثبيت نفوذها في ظل غياب عملية سياسية موثوقة قادرة على إنهاء الحرب أو فتح مسار انتقالي حقيقي.
خطر تحول الحرب إلى نظام دائم
وحذرت الصحيفة من أن استمرار التعامل الدولي المجزأ مع الأزمة السودانية يزيد صعوبة الخروج منها. فالاستجابات الحالية تبدو تفاعلية أكثر من كونها استراتيجية، وتتأثر بالمخاوف الخارجية أكثر مما تستند إلى الواقع الداخلي في السودان.
ومع طول أمد الحرب، تتسع احتمالات تحول الصراع إلى نظام سياسي واقتصادي قائم بذاته، تستفيد منه أطراف مسلحة وشبكات مصالح، بينما يدفع المدنيون الثمن عبر النزوح والجوع وفقدان الخدمات الأساسية.
وتؤكد “ميدل إيست آي” أن أزمات مثل حرب السودان لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة. فهي تعيد تشكيل محيطها الإقليمي، وتدفع موجات نزوح عبر الحدود، وتكرس أنماطًا من العنف قد تستمر حتى بعد توقف المعارك رسميًا.
السودان لا يحتاج إلى حرب الآخرين كي يهم العالم
تخلص الصحيفة إلى أن مأساة السودان اليوم لا تكمن فقط في حجم المعاناة، بل في الطريقة التي تُفسر بها هذه المعاناة. فالحرب لم تعد تُفهم باعتبارها أزمة سودانية بالدرجة الأولى، بل تُقرأ عبر صراعات خارجية، خصوصًا المواجهة مع إيران.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر؛ فالأزمة التي تُهمَل يمكن أن تعود إلى الواجهة يومًا ما، أما الأزمة التي تُفهم بصورة خاطئة فقد تُعالج من البداية بأدوات خاطئة.
السودان، كما تؤكد الوقائع، لا يحتاج إلى أن يُدرج في حرب الآخرين كي يصبح مهمًا. فحجم الكارثة الإنسانية، واتساع النزوح، وانهيار الاقتصاد، وتفكك الدولة، كلها أسباب كافية لأن يكون في صدارة الاهتمام الدولي. ويبقى السؤال المطروح: هل يرى العالم السودان كما هو، قبل أن تمتد عواقب الحرب إلى ما هو أبعد من حدوده؟
اقرأ أيضاً
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟
بين طهران وأنقرة ومصر أبوظبي: السودان يتحول إلى أكبر “ميدان تجارب” عالمي لحروب الدرونات..
سودان الجوع: كيف يواجه ملايين النازحين شبح الفناء بعد جفاف منابع الإغاثة؟

