وطن-عاد ملف التطبيع العربي مع إسرائيل إلى واجهة المشهد الإقليمي مجددًا، لكن هذه المرة في قلب واحدة من أخطر الأزمات العسكرية التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فبينما لا تزال آثار المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تهيمن على المنطقة، تتزايد التقارير والتسريبات حول تحركات سياسية يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لربط وقف التصعيد العسكري بفتح مسار تطبيع واسع بين دول عربية وإسرائيل.
وبحسب ما يتم تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية، فإن إدارة ترامب تسعى إلى استثمار لحظة التوتر الإقليمي لإعادة إطلاق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، عبر ربط التهدئة مع إيران بتوسيع دائرة الاتفاقات السياسية والأمنية مع تل أبيب.
ترامب يربط وقف الحرب بالتطبيع
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد الحديث عن اتصالات أميركية مكثفة مع قادة ومسؤولين في عدد من الدول العربية والإسلامية، من بينها السعودية وقطر ودول أخرى في المنطقة، إلى جانب أطراف إقليمية مثل باكستان، في إطار ضغوط دبلوماسية تهدف إلى الدفع نحو اتفاقات سياسية جديدة مع إسرائيل.
وترى دوائر أميركية مقربة من إدارة ترامب أن الحرب مع إيران فتحت فرصة نادرة لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، عبر بناء تحالف إقليمي واسع تقوده واشنطن وتل أبيب تحت عنوان “الاستقرار والسلام الإقليمي”.
لكن منتقدين يعتبرون أن ما يجري لا يتعلق فقط بوقف الحرب، بل بمحاولة فرض ترتيبات سياسية جديدة تحت ضغط التهديدات العسكرية والاقتصادية.
صمت عربي ومخاوف من “صفقة تحت النار”
أشارت التقارير التي تحدثت عن اتصالات ترامب مع قادة المنطقة إلى حالة من الحذر والصمت خلال بعض المحادثات، خصوصًا مع حساسية توقيت الحرب، والغضب الشعبي الواسع في الشارع العربي بسبب استمرار العمليات العسكرية في غزة والتوتر الإقليمي المتصاعد.
ويرى مراقبون أن أي خطوات تطبيع جديدة في ظل هذا المناخ قد تواجه رفضًا شعبيًا واسعًا، خاصة إذا ظهرت وكأنها نتيجة ضغوط مرتبطة بالحرب أو التهديدات الأمنية.
كما يخشى كثيرون من أن يتحول وقف إطلاق النار مع إيران إلى مجرد مدخل لترتيبات سياسية أوسع تعيد رسم التحالفات في المنطقة، بعيدًا عن معالجة جذور الأزمات القائمة.
ليندسي غراهام يشعل الجدل
وزاد الجدل بعد تصريحات ومواقف لعدد من السياسيين الأميركيين المؤيدين بشدة لإسرائيل، وفي مقدمتهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي دعا إلى تشديد الضغوط على دول المنطقة للانخراط في ترتيبات سياسية جديدة مع إسرائيل.
واعتبر معارضون أن بعض التصريحات الأميركية حملت لهجة تهديد مبطنة، تقوم على فكرة أن “الاستقرار الإقليمي” لن يتحقق إلا عبر القبول بالمشروع الأميركي الإسرائيلي الجديد في المنطقة.
نتنياهو يرى “فرصة تاريخية”
في المقابل، رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتحركات الأميركية، معتبرًا أن التطورات الحالية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية.
وتعتبر الحكومة الإسرائيلية أن المواجهة مع إيران عززت منطق بناء تحالفات أوسع مع دول عربية وإسلامية، خصوصًا في المجالين الأمني والعسكري، وهو ما تحاول تل أبيب تحويله إلى مسار سياسي دائم.
ويرى محللون إسرائيليون أن الحرب الأخيرة أعادت ترتيب أولويات بعض الحكومات الإقليمية، ودفعتها إلى التركيز على التهديدات الأمنية والاستقرار الاقتصادي، أكثر من استمرار حالة القطيعة السياسية مع إسرائيل.
هل يتشكل “شرق أوسط جديد”؟
على الرغم من الحديث المتزايد عن اتفاقات وتفاهمات مرتقبة، لا تزال الصورة النهائية غير واضحة. فالتوتر مع إيران لم ينتهِ بالكامل، والشارع العربي يعيش حالة غضب متصاعدة بسبب الحروب المستمرة في غزة والمنطقة.
كما أن كثيرًا من الحكومات الإقليمية تدرك أن أي خطوات تطبيع جديدة في هذا التوقيت قد تحمل كلفة سياسية وشعبية كبيرة.
ومع ذلك، يبدو أن إدارة ترامب تراهن على أن لحظة ما بعد الحرب قد تكون فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط، عبر مزيج من الضغوط الأمنية، والاتفاقات الاقتصادية، والتحالفات الجديدة.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه على المنطقة اليوم: هل تتحول الحرب مع إيران إلى بوابة أوسع موجة تطبيع في تاريخ الشرق الأوسط؟ أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر اضطرابًا وتعقيدًا؟
اقرأ المزيد
هديل عويس وجدلية تلميع صورة الإمارات عبر منصة جسور نيوز ودور الإعلام في التطبيع
من أرض الصومال إلى جنوب اليمن: إسرائيل ترسم خريطة نفوذ جديدة على البحر الأحمر
حسابات السيسي وابن زايد.. كيف غيرت الدبلوماسية الاقتصادية الخطاب الإقليمي لشيخ الأزهر؟

