وطن-في تطور يعكس حساسية موقع الأزهر داخل التوازنات السياسية والإقليمية، كشف موقع ميدل إيست آي أن الرئاسة المصرية مارست ضغوطاً على مشيخة الأزهر، المرجعية الأبرز في العالم الإسلامي السني، لدفعها إلى إعلان موقف واضح داعم للإمارات ودول الخليج في مواجهتها مع إيران، مع تجنب إدانة الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي” نقلاً عن مصادر أمنية وأخرى قريبة من الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين، فإن مؤسسات الدولة المصرية أبلغت قيادة الأزهر بضرورة الاصطفاف علناً إلى جانب دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالمصالح المصرية في المنطقة، ولا سيما العمالة المصرية في الخليج والارتباطات الاقتصادية مع أبوظبي وواشنطن.
بيانات الأزهر تغيّرت بعد حرب إيران
وأوضح التقرير أن الأزهر أصدر أربعة بيانات منذ اندلاع الحرب الحالية، كان أبرزها بيان أدان فيه ما وصفه بـ«عدوان الجمهورية الإسلامية الإيرانية على جارتها المسلمة دولة الإمارات العربية المتحدة».
لكن اللافت، وفق ما أشار إليه «ميدل إيست آي»، أن بيانات الأزهر لم تتضمن أي إدانة للضربات الأمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران، في تحول واضح مقارنة بموقفه خلال حرب العام الماضي، حين وصف الصراع بأنه «عدوان الكيان المحتل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
وتقول الصحيفة إن هذا التحول أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية والدينية، خصوصاً أن خطاب الأزهر تقليدياً كان أكثر تحفظاً تجاه الاصطفافات الإقليمية المباشرة.
رسالة رئاسية “واضحة وصريحة”
ونقل الموقع عن مصادر داخل قيادة الأزهر أن الرسالة التي وصلت من الرئاسة المصرية كانت “صريحة ومباشرة”، ومفادها أن لمصر مصالح استراتيجية مع الخليج والولايات المتحدة لا يمكن المجازفة بها في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.
وأضافت المصادر أن القاهرة شددت على أن أي موقف قد يُفهم على أنه انحياز لإيران قد ينعكس على أوضاع العمالة المصرية في الخليج، وعلى العلاقات الاقتصادية مع الإمارات والسعودية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن بعض الرسائل التي وصلت إلى الأزهر تضمنت تحذيراً واضحاً من أن المؤسسة “ستتحمل المسؤولية” إذا تسبب موقفها في توتر مع دول الخليج أو في خسائر اقتصادية للمصريين العاملين هناك.
الإمارات والخليج راقبوا بيانات الأزهر
وأفادت الصحيفة أن حكومات خليجية، وفي مقدمتها الإمارات، كانت تتابع بيانات الأزهر عن كثب خلال الحرب الحالية، وطرحت الملف بشكل مباشر خلال اتصالات سياسية مع القاهرة.
وترى مصادر تحدثت للموقع أن العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان لعبت دوراً محورياً في دفع القاهرة إلى ضمان صدور موقف أزهري واضح يدين الضربات الإيرانية على الإمارات.
وكانت صحيفة «الخليج» الإماراتية قد انتقدت سابقاً موقف الأزهر خلال الحرب الماضية، معتبرة أن خطابه لم يكن منسجماً مع الرؤية الخليجية للصراع.
ملف غزة عاد إلى الواجهة
وكشف التقرير أن الضغوط الحالية أعادت إلى الأذهان أزمة سابقة حدثت العام الماضي، حين تعرض الأزهر لضغوط من أجل سحب بيان دعا فيه إلى تحرك عالمي لمواجهة المجاعة في غزة.
وبحسب المصادر، فإن الدولة المصرية لوّحت آنذاك بتحميل الأزهر مسؤولية عرقلة جهود وقف إطلاق النار أو تعطيل دخول المساعدات الإنسانية، إذا واصل تصعيد خطابه بشأن الكارثة الإنسانية في القطاع.
كما أشارت الصحيفة إلى أن ضغوطاً خليجية سابقة حاولت دفع الأزهر إلى تعديل موقفه من الفصائل الفلسطينية المسلحة، لكن الإمام الأكبر أحمد الطيب رفض تغيير توصيفه للقضية الفلسطينية أو التخلي عن خطاب الدعم الإنساني والسياسي لغزة.
أزمة 2019 تعود إلى الواجهة
وتطرقت «ميدل إيست آي» أيضاً إلى الأزمة الشهيرة عام 2019، حين تحدثت تقارير عن مساعٍ داخل السلطة المصرية لإبعاد شيخ الأزهر عبر تعديلات دستورية.
وذكرت الصحيفة أن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان لعب دوراً في احتواء الأزمة، رغم أن مصادر قريبة من الأزهر قللت من حجم هذا الدور، معتبرة أن أبوظبي لم تكن متمسكة ببقاء الطيب بقدر تمسكها بعدم صعود شخصيات أقل قبولاً دولياً في ملف “الإسلام المعتدل”.
وأضاف التقرير أن العلاقات بين الأزهر والإمارات شهدت فتوراً ملحوظاً بعد توقيع أبوظبي اتفاق التطبيع مع إسرائيل عام 2020 ضمن “اتفاقيات أبراهام”، إذ بات التعاون بين الطرفين أكثر محدودية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بفلسطين وإسرائيل.
استقلال الأزهر تحت الاختبار
ويرى مراقبون أن القضية تعكس صراعاً أوسع بين استقلال المؤسسات الدينية وحسابات الدولة السياسية والاقتصادية، خصوصاً في منطقة تشهد استقطاباً حاداً بين محاور إقليمية متنافسة.
فالأزهر، بوصفه المرجعية السنية الأكبر في العالم الإسلامي، يجد نفسه اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على مكانته الدينية واستقلال خطابه، من جهة، ومراعاة حسابات الدولة المصرية وتحالفاتها الخليجية والدولية، من جهة أخرى.
ومع استمرار التوتر بين إيران ودول الخليج، وتداخل الملفات المرتبطة بغزة وإسرائيل والبحر الأحمر، يبدو أن بيانات الأزهر لم تعد مجرد مواقف دينية أو أخلاقية، بل تحولت إلى جزء من توازنات سياسية إقليمية شديدة الحساسية.
اقرأ المزيد
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟

