وطن-تتحول الطائرات المسيّرة التي يستخدمها حزب الله في جنوب لبنان إلى أحد أخطر التحديات الميدانية أمام الجيش الإسرائيلي، بعدما باتت تفرض قيوداً واسعة على حركة القوات الإسرائيلية وتؤثر بشكل مباشر على طبيعة العمليات العسكرية قرب الحدود الشمالية.
وبحسب ما نقله “ميدل إيست آي“ عن تقرير لهيئة البث الإسرائيلية “كان”، فإن قدرات حزب الله في مجال المسيّرات أصبحت تحدّ من نحو 80% من الهجمات الإسرائيلية في جنوب لبنان، في تطور يعكس تغيراً واضحاً في ميزان المواجهة الميدانية بين الطرفين.
وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن التقديرات العسكرية تشير إلى أن المسيّرات التي يطلقها حزب الله ساهمت في تقييد حركة القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وأدت إلى خسائر ميدانية خلال الاشتباكات الأخيرة.
تقليص العمليات الإسرائيلية
ووفق التقرير، فإن الجيش الإسرائيلي يواجه نقصاً في أنظمة مكافحة المسيّرات، حيث لا تُوزع هذه المعدات إلا على عدد محدود من الجنود بسبب محدودية الإمدادات، ما دفع القوات الإسرائيلية إلى تقليص أو تأجيل بعض العمليات، خاصة خلال ساعات النهار، خشية التعرض لهجمات بطائرات مسيّرة.
ويشير ذلك إلى أن المسيّرات لم تعد مجرد أداة دعم لدى حزب الله، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في إيقاع المعركة، وفي طريقة انتشار القوات الإسرائيلية وتحركها داخل جنوب لبنان.
كما كشفت “كان” أن الحكومة الإسرائيلية شكّلت فريق عمل متخصصاً لمواجهة هذا التهديد المتصاعد، يضم خبراء من الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية ومجالات تقنية ومدنية، بهدف تطوير منظومات قادرة على اعتراض المسيّرات والحد من فعاليتها.
تكتيكات جديدة لحزب الله
ونقل التقرير عن مصادر في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن حزب الله ابتعد عن نموذج القيادة والسيطرة التقليدي، واتجه إلى أسلوب أقرب إلى حرب العصابات، حيث تعمل المجموعات الميدانية بمرونة واستقلالية أكبر.
وبحسب المصادر، يتحرك مقاتلو حزب الله ضمن خلايا صغيرة الحجم، وينفذون هجمات سريعة بحسب الفرص المتاحة ضد القوات الإسرائيلية، مع التنقل المستمر بين القرى الجنوبية، وهو ما يصعّب عمليات الرصد والاستهداف.
وأشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن هذا التحول جاء بعد اغتيال عدد من كبار قادة “قوة الرضوان”، وهي وحدة النخبة التابعة لحزب الله، ما دفع الوحدات الميدانية إلى اعتماد نمط أكثر لامركزية في القتال.
مسيّرات FPV تقلق إسرائيل
وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عبر موقعها “واي نت” أن حزب الله طور بشكل ملحوظ قدراته في مجال المسيّرات، خصوصاً باستخدام طائرات FPV، وهي مسيّرات تعتمد على تقنية الرؤية المباشرة من منظور الشخص الأول.
وأوضحت الصحيفة أن هذه المسيّرات منخفضة التكلفة مقارنة بالصواريخ التقليدية، ويتم تجميعها وتعديلها داخل جنوب لبنان، بما يسمح باستخدامها بسرعة ومرونة أكبر في المعارك.
وأضافت أن التعديلات تشمل تركيب كاميرات دقيقة، وحمولات متفجرة، وقوائم هبوط خاصة، لتحويل المسيّرات إلى وسيلة هجومية تستهدف الجنود والآليات بدقة عالية.
ومن أبرز التطويرات التي أثارت قلق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، تزويد بعض المسيّرات بكابلات ألياف ضوئية تربطها مباشرة بمحطة التحكم، ما يسمح بتوجيهها من دون الاعتماد على إشارات الراديو التقليدية.
ويمنح هذا التطوير حزب الله قدرة على تجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية، التي تعتمد بشكل أساسي على التشويش والكشف الإلكتروني لإسقاط المسيّرات.
تمويل إسرائيلي طارئ
وفي محاولة لمواجهة هذا التهديد، وافقت إسرائيل الأسبوع الماضي على تمويل طارئ بقيمة 700 مليون دولار لتطوير دفاعات مضادة لمسيّرات حزب الله، وفق ما أوردته التقارير الإسرائيلية.
وتشمل الخطة نشر منظومات رادار ثابتة على طول الحدود الشمالية مع لبنان، إضافة إلى شراء خمسة ملايين طلقة متخصصة لبنادق صيد مصممة لاعتراض المسيّرات قصيرة المدى.
وتعكس هذه الخطوات حجم القلق داخل إسرائيل من اتساع دور المسيّرات في المواجهة، خاصة مع تحولها إلى سلاح منخفض التكلفة وعالي التأثير في الحروب الحديثة.
جبهة مفتوحة على التصعيد
ومنذ 2 مارس، أسفرت الضربات الإسرائيلية على لبنان عن مقتل أكثر من 3 آلاف شخص وإصابة 9301 آخرين، بحسب الأرقام الواردة في التقرير، كما تسببت المواجهات في نزوح ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص، أي نحو خُمس سكان لبنان.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل وتمديده لاحقاً، تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، ما يبقي جبهة الجنوب مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة، في وقت تبدو فيه المسيّرات أحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل قواعد الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل.
اقرأ المزيد
هدنة واشنطن الهشة.. لماذا تواصل إسرائيل غارات البقاع والجنوب رغم تمديد وقف إطلاق النار؟
ضربة استباقية أم مغامرة؟ لماذا هاجم حزب الله إسرائيل وماذا وراء “انفصال” بري عن الحزب؟

