وطن-في وقت تتصاعد فيه التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتزداد القيود على حركة الطيران، يواصل مئات الآلاف من المسلمين من مختلف دول العالم رحلتهم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، في موسم استثنائي تختلط فيه الروحانية العميقة بمخاوف الحرب وتعقيدات السفر.
وبحسب تقارير حديثة، أعلنت السلطات السعودية وصول نحو مليون ونصف المليون حاج من خارج المملكة حتى يوم السبت، وهو رقم تجاوز إجمالي الحجاج القادمين من الخارج خلال الموسم الماضي، رغم الاضطرابات التي شهدتها حركة الطيران الإقليمي خلال الأسابيع الأخيرة.
قلق عالمي.. لكن الحجاج يواصلون الرحلة
في مدن عديدة حول العالم، يعيش الحجاج حالة من الترقب والقلق بسبب التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، خاصة بعد الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وفي شرق لندن، أمضى شاهد علي وزوجته سنوات طويلة في ادخار المال داخل صندوق معدني صغير في منزلهما، بعدما أجّلا كثيراً من احتياجات الحياة بهدف تحقيق حلم الحج. لكن مع تصاعد التوترات العسكرية، بدأ أبناؤهما يطالبانهما بإعادة التفكير في السفر.
وعلى الرغم من ذلك، قال علي:“انتظرنا هذه اللحظة طوال حياتنا. صحيح أن هناك حالة من الغموض بسبب إلغاء بعض الرحلات الجوية، لكن حتى الآن يبدو أننا سنسافر”.
وتتكرر المشاعر نفسها في عائلات ومساجد كثيرة حول العالم، إلا أن الرغبة في أداء الفريضة تبدو أقوى من المخاوف لدى كثيرين.
الحرب رفعت تكاليف الحج
ألقت الحرب بظلالها سريعاً على قطاع الطيران والسفر، بعدما اضطرت شركات عديدة إلى تغيير مسارات رحلاتها لتجنب مناطق التوتر، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر وزيادة تكاليف الرحلات.
كما فرضت بعض شركات الطيران رسوماً إضافية بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمسارات الطويلة.
وقال منظم رحلات حج في الأردن:“كل يوم يتغير الوضع. الرحلات يعاد توجيهها باستمرار، والحجاج يتصلون بشكل متواصل للسؤال إن كان السفر آمناً”.
وأضاف أن المخاوف كانت كبيرة في بداية التصعيد العسكري، لكنها بدأت تتراجع تدريجياً مع الحديث عن تهدئة محتملة.
وفي بعض الدول، انعكست الأزمة مباشرة على الحجاج. فقد فرضت الهند رسوماً إضافية على باقات الحج، بينما قررت إندونيسيا تحمل الزيادة بدلاً من تحميلها للحجاج.
واشنطن وطهران.. تهدئة مؤقتة قبل الحج
تزامن موسم الحج هذا العام مع تقارير تحدثت عن تفاهمات غير معلنة بين الولايات المتحدة وإيران لتجنب التصعيد العسكري خلال فترة الحج.
وبحسب مصادر مطلعة، جرى تأجيل هجوم أميركي كان مخططاً ضد إيران بعد تحذيرات من دول خليجية ومسؤولين داخل الإدارة الأميركية من خطورة اندلاع حرب واسعة خلال موسم الحج.
كما تحدثت تقارير عن مفاوضات لتمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، إلى جانب مناقشة مذكرة تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران.
وعلى الرغم من هذه المؤشرات، لا تزال المخاوف قائمة من احتمال عودة التصعيد في أي لحظة، خاصة أن الممرات الجوية في الخليج تُعد من أكثر خطوط الطيران ازدحاماً في العالم.
الحج وسط الحروب والأزمات
بالنسبة للمسلمين، لا يُعد الحج مجرد رحلة دينية، بل هو حلم عمر وركن أساسي من أركان الإسلام، لذلك تمضي كثير من العائلات سنوات طويلة في الادخار والتحضير لهذه الرحلة. وتصبح فكرة التأجيل أكثر صعوبة بالنسبة لكبار السن الذين يخشون ألا تتاح لهم فرصة أخرى.
وقالت فرزانة بيغوم، وهي معلمة متقاعدة من بريطانيا تستعد للسفر إلى مكة:“هناك عدم يقين في كل مكان، لكن إذا دعاك الله للحج فلا يمكنك التراجع بسبب السياسة”.
وفي مطار هيثرو في لندن، تجمع حجاج بريطانيون وسط حالة من القلق والترقب، بينما قالت امرأة كانت ترافق والدتها البالغة من العمر 78 عاماً:”أقاربنا طلبوا منا تأجيل السفر، لكن والدتي قالت: ماذا لو لم يتبقَّ لي عام آخر؟”.
غزة حاضرة في مشاعر الحجاج
لا ينفصل موسم الحج هذا العام عن مشاعر الحزن والغضب التي يعيشها كثير من المسلمين بسبب الحروب والأزمات الإنسانية، خصوصاً في غزة.
ويقول كثير من الحجاج إنهم يشعرون بألم كبير بسبب غياب الفلسطينيين المحاصرين عن أداء الحج هذا العام.
وقالت فرزانة بيغوم:“سندعو لهم هناك. لا يمكن فصل الحج عما يحدث للمسلمين في أماكن أخرى”.
السعودية تستعد لكل السيناريوهات
في المقابل، تؤكد السلطات السعودية أنها وضعت خطط طوارئ واسعة للتعامل مع أي تطورات محتملة، سواء على مستوى النقل أو الخدمات أو تنظيم الحشود.
لكن خبراء في قطاع الطيران يرون أن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في شبكات السفر العالمية، خاصة أن كثيراً من الحجاج يعتمدون على مطارات إقليمية رئيسية مثل الدوحة ودبي وجدة.
وقال خبير طيران في الخليج:“الحج يعتمد على تنسيق دولي ضخم، وعندما يصبح المجال الجوي غير مستقر تنتقل آثار الأزمة بسرعة إلى الجميع”.
“جوهر الحج هو التضحية”
وعلى الرغم من القلق، لا يزال كثير من الحجاج يرون أن الرحلة تستحق المخاطرة والتعب، باعتبار أن الحج ارتبط تاريخياً بالمشقة والصبر.
وخلال ندوة توعوية للحجاج في أحد مساجد لندن، ذكّر الأئمة الحاضرين بأن الحجاج عبر التاريخ سافروا في ظروف أشد خطورة بكثير من الظروف الحالية.
وقال أحد المتحدثين:“جوهر الحج هو التضحية، والناس عبر القرون واجهوا ظروفاً أصعب بكثير مما نواجهه اليوم”.
أما شاهد علي، الذي أمضى سنوات في الادخار للحج، فيلخص موقف كثير من الحجاج بقوله:“لا أحد يعرف ماذا سيحدث في العالم، لكننا نؤمن أنه إذا أراد الله لنا إتمام الحج فسنتمه مهما كانت الظروف”.
اقرأ المزيد
تأجيل اضطراري.. لِمَ أرجأ ترامب هجوم إيران بعد تحذيرات خليجية من تفجير حرب شاملة بموسم الحج؟
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران

