وطن-في شوارع طهران وأسواقها ومقاهيها، لا يبدو أن الحديث عن الحرب قد غادر الحياة اليومية للإيرانيين، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على المواجهة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. فبينما تستمر المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر وسطاء إقليميين، يعيش الإيرانيون حالة من القلق العميق بين أمل هش في اتفاق سياسي، وخوف دائم من انهيار التفاهمات وعودة الضربات العسكرية من جديد.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في تقرير من العاصمة الإيرانية، إن الشارع الإيراني يعيش حالة استنزاف نفسي واقتصادي غير مسبوقة، وسط ضبابية تحيط بمصير المحادثات الجارية بين الجانبين، والتي تتوسط فيها دول إقليمية عدة، من بينها قطر وباكستان.
“لا حرب ولا سلام”.. الإيرانيون في حالة انتظار مرهقة
أفشين، وهو إيراني يبلغ من العمر 38 عاماً ويعيش في طهران، وصف الوضع الحالي بأنه “حياة معلقة تحت ظل الحرب”. وقال للصحيفة: “نحن منهكون. منذ الصيف الماضي ونحن نعيش إما حرباً فعلية أو تهديداً دائماً بالحرب. أتمنى فقط أن يتوصلوا إلى اتفاق حتى تعود الحياة إلى طبيعتها”.
وبحسب التقرير، فإن كثيراً من الإيرانيين باتوا يصفون المرحلة الحالية بأنها “لا حرب ولا سلام”، حيث تستمر المفاوضات السياسية بالتزامن مع التوترات العسكرية الإقليمية، بما في ذلك الضربات الأميركية على جنوب إيران، والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، ما يجعل المنطقة بأكملها تعيش على وقع احتمالات التصعيد.
هدنة مؤقتة أم اتفاق شامل؟
خلال الأيام الماضية، تابع الإيرانيون تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال التوصل إلى تفاهم يمنح الجانبين ستين يوماً إضافية من وقف إطلاق النار، بهدف استكمال التفاوض على اتفاق أوسع يشمل برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، إلى جانب تخفيف العقوبات المفروضة على طهران.
لكن حالة عدم اليقين لا تزال تسيطر على المشهد. فلا توجد حتى الآن ضمانات حقيقية بأن التفاهم المؤقت سيتحول إلى اتفاق دائم، وهو ما يزيد من القلق الشعبي في الداخل الإيراني.
هديّة، وهي شابة من طهران تبلغ من العمر 27 عاماً، قالت لـ”ميدل إيست آي” إنها تشعر بأن تفاهمات غير معلنة قد تكون أُنجزت بالفعل خلف الكواليس، مضيفة: “من خلال متابعة الأخبار، يبدو أن الاتفاق شبه جاهز، وكأن الخلاف الآن فقط حول طريقة الإعلان عنه وتوقيته”.
ورغم ذلك، لا تبدو الشابة الإيرانية متفائلة كثيراً بشأن استقرار الوضع على المدى الطويل، إذ تقول: “ربما يكون الهدف فقط تمديد الهدنة لشهر أو شهرين، ثم تبدأ الخلافات الحقيقية حول الملفات الأصعب”.
وأضافت بتعب واضح: “لقد سئمنا من كلمات مثل اليورانيوم، والمفاوضات، والاتفاقات، والمصادر المطلعة”.
انعدام الثقة في ترامب يزيد المخاوف
ورغم وجود أمل حذر لدى بعض الإيرانيين، فإن قطاعاً واسعاً منهم لا يثق بإمكانية التوصل إلى سلام دائم، خاصة بعد تجارب التصعيد الأخيرة التي وقعت رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة بين الطرفين.
محمد، وهو إيراني يبلغ من العمر 46 عاماً، قال للصحيفة: “لم أعد أثق في ترامب. هاجمنا مرتين بينما كانت المفاوضات مستمرة، فما الذي يمنعه من فعل ذلك مرة ثالثة؟”.
وترى الصحيفة أن التصريحات المتناقضة الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عمّقت من حالة الارتباك داخل إيران. ففي بعض الأحيان يتحدث ترامب عن قرب التوصل إلى اتفاق، بينما يعود في تصريحات أخرى ليطلق تهديدات حادة ويهاجم البنود المطروحة.
وامتد هذا التضارب إلى داخل الإدارة الأميركية نفسها. ففي أواخر مايو، نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين أميركيين أن نص الاتفاق بات جاهزاً وينتظر توقيع ترامب، قبل أن تنفي وكالة “تسنيم” الإيرانية تلك المعلومات بشكل كامل، مؤكدة أن أي اتفاق نهائي لم يُنجز بعد.
الاقتصاد الإيراني تحت الضغط
الأزمة السياسية والعسكرية لم تبقَ محصورة في الدبلوماسية فقط، بل انعكست بشكل مباشر على الأسواق وحياة الناس اليومية.
حميد رضا، وهو صاحب متجر ملابس في طهران يبلغ من العمر 58 عاماً، قال إن حالة الغموض شلّت الاقتصاد بالكامل. وأضاف: “كل شيء معلق في الهواء. لا أحد يعرف ماذا سيحدث غداً. السوق سيئ جداً، والناس خائفة من الإنفاق أو التخطيط للمستقبل”.
وعندما سُئل إن كان يعتقد أن اتفاقاً سيُبرم في النهاية، أجاب ساخراً: “ترامب نفسه ربما لا يعرف ما الذي سيفعله، فكيف يمكن لأحد أن يتنبأ؟”.
وأضاف: “العالم اليوم يتعامل مع رئيس قد ينام على قرار، ثم يستيقظ ليقول شيئاً مختلفاً تماماً”.
الطلاب والتأشيرات.. أحلام مؤجلة
تأثير الأزمة لم يتوقف عند الاقتصاد فقط، بل وصل إلى خطط الشباب الإيراني ومستقبلهم الدراسي.
سيما، وهي شابة تبلغ من العمر 31 عاماً وتعمل في مختبر بطهران، كانت تخطط لاستكمال دراستها في أوروبا، لكنها تقول إن التوترات السياسية جمّدت فعلياً فرص حصول الإيرانيين على التأشيرات.
وقالت لـ”ميدل إيست آي”: “السفارات الأوروبية تعمل بشكل شبه مغلق، ولا يمكنك بسهولة الحصول على موعد أو تقديم طلب عبر سفارات الدول المجاورة”.
وأضافت أنها أمضت شهوراً للحصول على قبول في جامعة إيطالية، لكن انهيار قيمة الريال الإيراني وتوقف مواعيد التأشيرات جعلا مستقبلها الدراسي معلقاً بالكامل.
مخاوف من “فخ سياسي”
في المقابل، لا يؤيد جميع الإيرانيين فكرة التوصل إلى اتفاق سريع مع واشنطن، إذ يرى بعضهم أن التفاهم الحالي قد يتحول إلى فخ استراتيجي تخسر فيه إيران أوراق ضغط مهمة من دون الحصول على مكاسب حقيقية.
مهدي، وهو مهندس مدني يبلغ من العمر 41 عاماً، قال للصحيفة إنه متشائم للغاية من نتائج المفاوضات الحالية. وأضاف: “ما الذي سنقدمه تحديداً؟ وهل سنحصل فعلاً على مقابل حقيقي؟”.
ويرى مهدي أن تخفيف التوتر مؤقتاً قد يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة لإعادة ترتيب أوراقهما قبل العودة إلى التصعيد لاحقاً.
وقال: “أنا لا أحب الحرب، لكن الأسوأ من الحرب أن يتمكنوا من ضرب بلدك متى أرادوا، من دون أن يحدث شيء فعلي في المقابل”.
الإيرانيون بين خوفين
وبين أمل هش في اتفاق سياسي، وخوف مستمر من عودة الحرب، يبدو الإيرانيون عالقين في واحدة من أكثر المراحل توتراً في تاريخهم الحديث.
ففي بلد أنهكته العقوبات الاقتصادية، وتقلبات العملة، والضغوط العسكرية، لم تعد المفاوضات بالنسبة لكثير من الإيرانيين مجرد ملف سياسي أو دبلوماسي، بل أصبحت سؤالاً يومياً يتعلق بالاستقرار، والعمل، والمستقبل، وحتى القدرة على عيش حياة طبيعية بعيداً عن القلق الدائم من الحرب المقبلة.
اقرأ أيضاً
لعبة الـ 30 يوماً.. كيف يناور ترامب لانتزاع 900 رطل من اليورانيوم الإيراني دون حرب؟
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران

