وطن-دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الهند وسلطنة عُمان حيز التنفيذ، في خطوة اقتصادية مهمة من شأنها إعادة رسم مسار التجارة بين البلدين، وفتح السوق العُمانية أمام غالبية الصادرات الهندية دون رسوم جمركية، في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد إلى أسواق الخليج ضغوطاً متزايدة بفعل التوترات الإقليمية واستمرار تداعيات الصراع الأميركي الإيراني.
وقالت وكالة برس ترست أوف إنديا PTI إن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند وعُمان تمنح وصولاً معفى من الرسوم لنحو 99% من الصادرات الهندية إلى السوق العُمانية، بما يشمل قطاعات حيوية مثل المنسوجات، والسلع الهندسية، والأحجار الكريمة والمجوهرات، إلى جانب مزايا جديدة تتعلق بحركة المهنيين الهنود.
وبحسب ما أوردته الوكالة، فإن الاتفاق لا يقتصر على تسهيل دخول المنتجات الهندية إلى عُمان، بل يتضمن أيضاً امتيازات قد تنعكس على المستهلكين في الهند، إذ من المتوقع أن تصبح التمور العُمانية أقل سعراً في السوق الهندية بفضل تخفيضات جمركية قائمة على نظام الحصص.
توقيت حساس للتجارة مع الخليج
يأتي تفعيل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، المعروفة اختصاراً بـCEPA، في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للمصدرين الهنود، الذين واجهوا خلال الفترة الأخيرة اضطرابات لوجستية وتجارية في شحن البضائع إلى أسواق الخليج، وسط التوترات المستمرة المرتبطة بالصراع الأميركي الإيراني.
وأضافت وكالة PTI أن منطقة الخليج، التي تضم عُمان والبحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات، تمثل واحدة من أهم الوجهات التجارية للهند، ليس فقط من حيث الصادرات السلعية، بل أيضاً من حيث الاستثمارات والعمالة والتحويلات المالية.
وبموجب الاتفاق، قدمت الهند تخفيضات جمركية على 77.79% من إجمالي بنودها الجمركية، وهي بنود تغطي 94.81% من الواردات القادمة من عُمان من حيث القيمة. وفي المقابل، تم التعامل بحذر مع السلع الحساسة أو ذات الأهمية التصديرية لعُمان، مثل التمور والرخام والبتروكيماويات، حيث تخضع في الغالب لنظام تحرير قائم على الحصص الجمركية.
إعفاءات فورية وفرص واسعة للمصدرين الهنود
وكشفت وكالة PTI أن الاتفاقية توفر وصولاً معفى من الرسوم الجمركية لـ99.38% من صادرات الهند إلى عُمان من حيث القيمة، وهو ما يغطي 98.08% من البنود الجمركية العُمانية. وللاحتفال بدخول الاتفاق حيز التنفيذ، تم تسيير أولى الشحنات المستفيدة من التعرفة التفضيلية، وشملت منتجات زراعية وشحنات من الأحجار الكريمة والمجوهرات انطلقت من مومباي وكولكاتا وتشيناي.
ونقلت الوكالة عن وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال قوله إن حصول 99.38% من الصادرات الهندية على دخول معفى من الرسوم يفتح آفاقاً جديدة أمام المصدرين والمهنيين الهنود، مضيفاً أن عُمان شريك موثوق للهند وجسر للتواصل بين الشعبين، فضلاً عن كونها بوابة مهمة إلى الخليج وشرق أفريقيا.
ومن المتوقع أن تدعم اتفاقية التجارة بين الهند وعُمان خلق فرص عمل جديدة، وجذب مزيد من الاستثمارات، ومساعدة الشركات الهندية على المنافسة بشروط أكثر توازناً مع المصدرين من الدول التي تتمتع بالفعل بامتيازات تجارية في السوق العُمانية.
نمو التجارة الثنائية بين الهند وعُمان
وبحسب تقرير PTI، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين الهند وعُمان إلى 11.18 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، مقارنة بـ10.61 مليار دولار في السنة المالية السابقة، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً في العلاقات التجارية بين البلدين.
وقال وزير التجارة الهندي إن الاتفاقية ستعود بفوائد كبيرة على الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما ستدعم التصنيع والتوظيف في قطاعات كثيفة العمالة، من بينها الأحجار الكريمة والمجوهرات، والمنسوجات، والجلود، والأحذية، والمنتجات البحرية، والسلع الهندسية، والأغذية المصنعة، والأدوية.
وكانت هذه المنتجات تواجه في السابق رسوماً جمركية تقارب 5% في عُمان، في حين تتراوح التعريفات الجمركية العامة في السلطنة بين 5% و100% بحسب نوع السلعة، ما يجعل الإعفاءات الجديدة عاملاً مهماً في تحسين تنافسية الصادرات الهندية.
بوابة إلى أسواق الخليج وشرق أفريقيا
وتتوقع الهند أن تسهم اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في تعزيز قدرة المصدرين الهنود على استخدام المراكز اللوجستية الاستراتيجية في عُمان، خصوصاً في صحار والدقم وصلالة، باعتبارها بوابات رئيسية إلى أسواق مجلس التعاون الخليجي وشرق أفريقيا.
وأوضحت وكالة PTI أن جميع الامتيازات المرتبطة بالتعرفة الصفرية دخلت حيز التنفيذ فوراً، وهو ما يمنح المصدرين قدراً أكبر من الوضوح والاستقرار في التخطيط التجاري. فقبل الاتفاق، وضمن نظام الدولة الأولى بالرعاية، لم تكن سوى 15.33% من الصادرات الهندية تدخل عُمان دون رسوم، بينما يمنح الاتفاق الجديد المصدرين الهنود موقعاً أكثر تنافسية في سوق واردات عُمانية تقترب قيمتها من 28 مليار دولار.
وفي المقابل، حرصت الهند على حماية بعض القطاعات المحلية الحساسة، إذ استبعدت من التخفيضات الجمركية منتجات زراعية رئيسية، ومعادن ثمينة، وبعض السلع الاستهلاكية، إضافة إلى عدد من السلع المرتبطة بالقطاع الزراعي.
قطاع الأدوية الهندي أمام فرصة كبيرة في عُمان
وفي قطاع الأدوية، يوفر الاتفاق دخولاً ملزماً برسوم صفرية للأدوية واللقاحات والمكونات الصيدلانية الفعالة الأساسية، بما في ذلك البنسلينات والستربتوميسينات والتتراسيكلينات، وهي من المنتجات التي تمتلك فيها الهند قاعدة صناعية وتصديرية قوية.
وبحسب ما أوردته وكالة PTI، قُدرت قيمة سوق الأدوية في عُمان بنحو 302.84 مليون دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 473.71 مليون دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.6%، ما يفتح مجالاً واسعاً أمام شركات الأدوية الهندية لزيادة حضورها في السوق العُمانية.
كما تنص الاتفاقية على أن المنتجات المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، ووكالة الأدوية الأوروبية، وهيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، وإدارة السلع العلاجية الأسترالية، ستكون مؤهلة للحصول على ترخيص تسويق خلال 90 يوماً دون تفتيش مسبق، مع هدف زمني يبلغ 270 يوم عمل في الحالات التي تتطلب التفتيش.
وتساعد آلية قبول تقارير ممارسات التصنيع الجيد والتفتيش على تقليل الأعباء التنظيمية وتسريع دخول المصدرين الهنود إلى السوق العُمانية، وهو ما يمنح صناعة الدواء الهندية ميزة تنافسية إضافية.
الإلكترونيات والخدمات ضمن مكاسب الاتفاق
وأشارت وكالة PTI إلى أن عُمان استوردت في عام 2025 منتجات إلكترونية بقيمة تقارب 1.7 مليار دولار، ما يوفر فرصاً كبيرة للمصنعين الهنود. وبلغت صادرات الهند الإلكترونية إلى عُمان 146 مليون دولار فقط، وهو فارق تسعى الاتفاقية إلى تقليصه عبر توفير يقين جمركي كامل يشمل جميع فئات الإلكترونيات، بما في ذلك اللوحات والخزائن، والمحولات الثابتة، وأجهزة استقبال التلفزيون.
وعلى صعيد الخدمات، قدمت عُمان التزامات واسعة تشمل قطاعات متعددة، من بينها خدمات الحاسوب، والخدمات التجارية والمهنية، والخدمات السمعية والبصرية، والبحث والتطوير، والتعليم، والخدمات الصحية.
وبحسب الوكالة، بلغ حجم تجارة الخدمات الثنائية بين الهند وعُمان 863 مليون دولار في عام 2024، وحققت الهند فائضاً قدره 447 مليون دولار. وفي الوقت ذاته، بلغت واردات عُمان العالمية من الخدمات 12.52 مليار دولار، بينما لم تتجاوز حصة الهند منها 5.31%، ما يشير إلى وجود مساحة كبيرة غير مستغلة أمام الشركات الهندية.
تسهيلات غير مسبوقة للمهنيين الهنود
ومن أبرز ما تضمنته اتفاقية التجارة الحرة بين الهند وعُمان تعزيز حركة المهنيين والعمالة الماهرة. وللمرة الأولى، قدمت عُمان التزامات واسعة ضمن ما يعرف بالنمط الرابع، أي انتقال المهنيين المهرة لتقديم الخدمات، بما في ذلك رفع حصة المنتقلين داخل الشركات من 20% إلى 50%.
وأضافت وكالة PTI أن الاتفاق يمدد مدة الإقامة المسموح بها لموردي الخدمات التعاقدية من 90 يوماً فقط إلى عامين، مع إمكانية التمديد لعامين إضافيين. ومن المتوقع أن تستفيد من هذه التسهيلات نحو 6 آلاف مشروع مشترك بين الهند وعُمان.
وبموجب الاتفاق، يمكن لزوار الأعمال البقاء في عُمان لمدة تصل إلى 90 يوماً، بينما يستطيع المهنيون المستقلون الإقامة لمدة تصل إلى 180 يوماً، في حين يسمح للمنتقلين داخل الشركات بالبقاء لمدة تصل إلى 4 سنوات.
وتوفر هذه البنود مسارات واضحة وقابلة للتنفيذ قانونياً أمام القوى العاملة المهنية الهندية، وهو ما يعزز فرص الشركات الهندية في تقديم خدماتها داخل عُمان بصورة أكثر استقراراً وتنظيماً.
محادثات مرتقبة حول الضمان الاجتماعي
واتفق الجانبان أيضاً على إجراء مناقشات مستقبلية بشأن اتفاق للضمان الاجتماعي، بهدف ضمان استمرارية مزايا الضمان بشكل متبادل، وتجنب الازدواج في المساهمات المالية بالنسبة للعمال الهنود وأصحاب العمل في عُمان.
وقالت وكالة PTI إن الاتفاقية الجديدة تعد خامس اتفاق تجاري تنفذه الهند خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعد اتفاقات شملت الإمارات وموريشيوس ورابطة التجارة الحرة الأوروبية وأستراليا.
كما تعد هذه الاتفاقية أول اتفاق ثنائي توقعه عُمان مع دولة أخرى منذ اتفاقها مع الولايات المتحدة عام 2006، وهو ما يمنحها أهمية خاصة في مسار السياسة التجارية العُمانية، ويؤكد في الوقت نفسه مكانة الهند كشريك اقتصادي رئيسي للسلطنة.
عُمان ثالث أكبر وجهة لصادرات الهند في الخليج
وتعد عُمان ثالث أكبر وجهة للصادرات الهندية بين دول مجلس التعاون الخليجي. وبلغ حجم التجارة الثنائية بين الهند وعُمان نحو 10.5 مليار دولار في 2024-2025، منها صادرات هندية بقيمة 4 مليارات دولار، وواردات من عُمان بقيمة 6.54 مليار دولار.
وبحسب ما نقلته وكالة PTI، من المتوقع أن تساعد اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة على إضافة نحو ملياري دولار إلى حجم التجارة بين البلدين خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة.
وتحظى العلاقات الاقتصادية بين الهند وعُمان بعمق بشري واستثماري واضح، إذ يقيم في السلطنة نحو 700 ألف مواطن هندي، بينما تتلقى الهند تحويلات مالية سنوية من عُمان تقدر بنحو ملياري دولار.
كما بنت الشركات الهندية حضوراً قوياً في السوق العُمانية، مع أكثر من 6 آلاف منشأة تعمل في قطاعات مختلفة. وفي المقابل، تلقت الهند استثمارات أجنبية مباشرة من عُمان بقيمة 615.54 مليون دولار خلال الفترة من أبريل 2000 حتى سبتمبر 2025.
وتعكس هذه الأرقام أن اتفاقية التجارة الحرة بين الهند وعُمان لا تمثل مجرد خفض للتعريفات الجمركية، بل خطوة أوسع لتعميق الشراكة الاقتصادية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتوسيع فرص الاستثمار والعمل بين بلدين يرتبطان بعلاقات تجارية وبشرية متنامية.
اقرأ أيضاً
بين صراع العمالقة والغموض التكتيكي.. كيف تعيد قمة ترامب وشي رسم طموحات الهند لعام 2050؟
مودي يعلن “تقشف الطاقة” في الهند: وقف شراء الذهب وخفض استهلاك البنزين لمواجهة أزمة هرمز

