وطن-كشفت ملفات بريطانية جديدة عن سجال حاد داخل دوائر الحكم في لندن حول حرب غزة، بعدما أظهرت رسائل خاصة أن وزير الصحة البريطاني ويس ستريتنغ قال إن إسرائيل ترتكب «جرائم حرب» ويجب أن تواجه عقوبات، قبل أن يصف السفير البريطاني السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون مواقفه بأنها «جامحة» و«هستيرية».
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن أكثر من ألف صفحة من الوثائق المرتبطة ببيتر ماندلسون، الوزير العمالي السابق وعضو مجلس اللوردات والسفير السابق لدى الولايات المتحدة، نُشرت يوم الاثنين، لتفتح نافذة جديدة على النقاشات المغلقة داخل حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر في الأشهر التي سبقت اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين في سبتمبر 2025.
وتأتي الوثائق في سياق سياسي حساس بالنسبة لحزب العمال، إذ كان ماندلسون قد أُجبر على مغادرة منصبه سفيراً في واشنطن في سبتمبر، بعد الكشف عن علاقته برجل الأعمال الراحل جيفري إبستين المدان في قضايا استغلال جنسي لقاصرات. وكان ستارمر قد عيّنه في هذا المنصب عام 2024.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن تحليل الوثائق المنشورة حديثاً أظهر أن ماندلسون وجّه انتقادات قاسية إلى ستريتنغ في رسائل نصية خاصة أرسلها إلى بات مكفادن، وزير شؤون العمل والمعاشات وأحد أعضاء الحكومة البارزين، وذلك في يوليو 2025، على خلفية موقف وزير الصحة من الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتكشف الرسائل أن ستريتنغ كان قد سأل ماندلسون عن رأيه في مسألة اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، وهو القرار الذي اتخذته الحكومة البريطانية لاحقاً في سبتمبر 2025. واعتبر ستريتنغ في مراسلاته أن الاعتراف بدولة فلسطين «صحيح أخلاقياً وسياسياً».
وقال ستريتنغ في الرسائل، وفق ما نقلته ميدل إيست آي، إن البعد الأخلاقي للقرار يعود إلى أن «إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا»، مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية «تتحدث بلغة التطهير العرقي»، وأنه التقى أطباء بريطانيين عملوا هناك ووصفوا له «مشاهد مروعة ومؤلمة من الوحشية المحسوبة ضد النساء والأطفال».
وأضاف وزير الصحة البريطاني في رسائله أن ما تقوم به إسرائيل يمثل «سلوك دولة مارقة»، داعياً إلى أن «تدفع الثمن كدولة منبوذة من خلال فرض عقوبات على الدولة نفسها، وليس فقط على عدد من الوزراء».
وأشار الموقع البريطاني إلى أن هذه الرسائل كانت قد نُشرت في وقت سابق من هذا العام بواسطة ستريتنغ نفسه. ونقل ميدل إيست آي عن مصادر متعددة داخل حزب العمال قولها إن تسريب الرسائل جرى بتدبير من ستريتنغ لتعزيز موقعه السياسي بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة ستارمر في رئاسة الحكومة، ولزيادة الضغط على رئيس الوزراء البريطاني.
لكن رد ماندلسون جاء غاضباً. فبعد وقت قصير من تبادله الرسائل مع ستريتنغ، كتب في 25 يوليو إلى مكفادن قائلاً: «تلقيت رسالة طويلة، جامحة وهستيرية، من ويس بشأن إسرائيل. رددت عليه. يمكنني أن أرسلها لك، لكنها تعكس بصورة سيئة جداً مستوى نضجه في رأيي».
ورد مكفادن على ماندلسون قائلاً إن ستريتنغ «نشط جداً في مجموعات نواب البرلمان على واتساب في هذا الموضوع»، في إشارة إلى النقاشات الداخلية بين نواب حزب العمال حول حرب غزة والموقف من إسرائيل.
وبحسب ما كشفت “ميدل إيست آي”، عاد ماندلسون بعد أيام، في 29 يوليو، وأرسل إلى مكفادن منشوراً لوزارة الخارجية الأميركية على منصة «إكس»، تعلن فيه رفض الحكومة الأميركية مؤتمراً أممياً وشيكاً حول حل الدولتين، وهو المؤتمر الذي كانت بريطانيا تشارك فيه.
ورد مكفادن قائلاً إن «ويس وزّع سلسلة من مقاطع الفيديو ومذكرة [محجوبة] على مجلس الوزراء كله قبل الاجتماع». عندها وصف ماندلسون الأمر بأنه «مثير للشفقة»، مضيفاً: «أعتقد أن ويس يمر بأزمة منتصف عمر مبكرة».
وتلقي هذه المراسلات، وفق الموقع البريطاني، ضوءاً على طريقة تفكير مستويات عليا داخل الحكومة البريطانية خلال الشهور التي سبقت قرار الاعتراف بدولة فلسطين، رغم أن أجزاء كبيرة من الملفات المنشورة بقيت محجوبة أو منقحة.
وفي رسالة مؤرخة في 19 يوليو، كتب مكفادن أن «الوضع الإنساني في غزة [محجوب]»، قبل أن يضيف أن «كير لا ينجذب إلى الإيماءات الرمزية، لكنه قد لا يملك بديلاً». وفسّر ميدل إيست آي ذلك بأنه يعكس إدراكاً داخل الحكومة البريطانية بأن الكارثة الإنسانية في غزة بلغت مستوى قد يدفع الوزراء إلى اعتبار الاعتراف بالدولة الفلسطينية خياراً لا مفر منه.
وتكشف الوثائق أيضاً أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كان على تواصل مع وزراء بريطانيين خلال تلك المرحلة. وكان بلير قد لعب، في العام السابق، دوراً بارزاً في مبادرة «مجلس السلام في غزة» المرتبطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي 24 يوليو، سأل ماندلسون مكفادن إن كان قد تحدث مع «تي بي»، وهي إشارة يُعتقد أنها تعني توني بلير، بشأن غزة. ورد مكفادن: «نعم. تحدثت معه قبل أيام. هو يركز على المستقبل الطويل المدى: الدول العربية، إصلاح السلطة الفلسطينية، [محجوب]».
ورد ماندلسون محذراً من أن هذا المستقبل قد لا يتحقق قائلاً: «إذا لم نكن حذرين، فلن نقترب من ذلك المستقبل». ثم استعاد تجربته السياسية القديمة، مشيراً إلى أنه كتب أول مقال له عن «حل الدولتين» عام 1975 بعد عودته من زيارة استمرت ستة أسابيع إلى إسرائيل ودول عربية.
وأضاف ماندلسون في رسائله، بحسب ميدل إيست آي، أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر دفع باتجاه حل الدولتين، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن أفشله، وأن الرئيس جورج بوش الأب حاول لاحقاً عبر محادثات مدريد ولوّح بإنهاء ضمانات القروض لإسرائيل، قبل أن «تنقذ منظمة التحرير الفلسطينية إسرائيل من الاتفاق»، على حد تعبيره، ثم «تفعل ذلك مجدداً عندما توصل بيل كلينتون إلى اتفاق مع إسحاق رابين».
وفي سياق تداعيات هذه الرسائل، كان الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربن قد وجّه رسالة إلى ستريتنغ في وقت سابق من العام، اتهمه فيها بـ«الفشل المخزي» لعدم استقالته من الحكومة رغم إدانته الخاصة لجرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.
وقال كوربن في رسالته إن أي حكومة تعترف بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب، ثم تواصل تقديم دعم عسكري أو سياسي لها، تكون عملياً قد أقرت بأنها «تساعد وتسهّل تلك الجرائم عن علم».
وكانت حكومة حزب العمال قد فرضت في يونيو من العام الماضي عقوبات على الوزيرين الإسرائيليين اليمينيين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لكنها قاومت الدعوات المطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل كدولة.
ورغم تدهور العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا وإسرائيل في ظل حكومة ستارمر، وفرض لندن حظراً جزئياً على تصدير السلاح إلى إسرائيل، فإن الحكومة البريطانية واصلت تعاونها العسكري معها خلال حرب غزة، وفق ما أوردته ميدل إيست آي.
وفي مارس 2025، قبل أشهر قليلة من الرسائل الخاصة التي كتبها ستريتنغ، تراجع كير ستارمر عن تصريحات أدلى بها وزير الخارجية حينها ديفيد لامي، قال فيها إن إسرائيل ترتكب «انتهاكاً للقانون الدولي».
وتُظهر ملفات ماندلسون، حجم الانقسام داخل حكومة حزب العمال بشأن التعامل مع إسرائيل وحرب غزة، بين وزراء رأوا أن الاعتراف بدولة فلسطين خطوة أخلاقية وسياسية ضرورية، ومسؤولين آخرين خافوا من انعكاساتها الدبلوماسية، وسط ضغط داخلي متزايد من نواب الحزب والرأي العام البريطاني بسبب الكارثة الإنسانية في القطاع.
اقرأ المزيد
ديفيد هيرست يحذر: إذا غادر المسلمون بريطانيا.. فاليهود هم الهدف القادم لليمين المتطرف
أزمة القيادة في بريطانيا: 81 نائباً يفصلون ستارمر عن صراع الزعامة داخل حزب العمال

