وطن-في سن السبعين، يبدو الفارق واضحاً بين متقاعدين ينسحبون تدريجياً من الحياة اليومية، وآخرين ما زالوا ممتلئين بالطاقة والخطط والرغبة في التجربة. وبينما ينشغل كثيرون قبل التقاعد بترتيب المدخرات، والتأمين الصحي، ومتابعة ضغط الدم، وعدّ الخطوات اليومية، تشير أبحاث حديثة إلى أن عاملاً ذهنياً أقل ظهوراً قد يكون حاسماً في جودة الحياة مع التقدم في العمر: الفضول.
قالت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إن الاستعداد النفسي لا يقل أهمية عن الصحة الجسدية أو الوضع المالي عند الحديث عن الشيخوخة الصحية، موضحة أن دراسات حديثة أجريت في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس “يو سي إل إيه”، ونُشرت في مجلة “بلوس وان” عام 2025، سلطت الضوء على دور الفضول في الحفاظ على الحيوية الذهنية والاندماج الاجتماعي بعد سن التقاعد.
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن السؤال لم يعد مقتصراً على كيفية حماية الجسد أو تأمين الدخل في مرحلة الشيخوخة، بل بات يشمل أيضاً كيفية الحفاظ على الرغبة في الفهم والتعلم واكتشاف ما هو جديد، حتى في مراحل متقدمة من العمر.
الفضول.. العامل المنسي في الشيخوخة الصحية
عند النظر إلى حياة أشخاص في السبعين أو الخامسة والسبعين، تظهر فروق كبيرة في طريقة تعاملهم مع العمر. فهناك من يواصلون السفر، وتعلم مهارات جديدة، والانضمام إلى أنشطة اجتماعية، بينما يكتفي آخرون بروتين ضيق يتكرر كل يوم. هذه الفروق، كما توضح مجلة “سيكولوجيز”، لا ترتبط دائماً بالصحة أو الدخل فقط، بل ترتبط أيضاً بما إذا كان الشخص ما زال يشعر برغبة حقيقية في الاكتشاف.
وتشير شهادات عدد من كبار السن النشطين إلى أن عبارة مثل “ما زلت أريد أن أعرف” أو “أحب تجربة أشياء جديدة” غالباً ما ترتبط بحياة يومية أكثر ثراءً، وعلاقات اجتماعية أوسع، وإحساس أكبر بالمعنى بعد التقاعد.
وأضافت المجلة أن الباحثين يميزون بين نوعين من الفضول. الأول هو “الفضول كصفة ثابتة”، أي الميل العام لدى الشخص إلى البحث عن المعرفة طوال حياته. أما الثاني فهو “فضول الحالة”، أي تلك اللحظات المفاجئة التي ينجذب فيها الإنسان إلى سؤال أو موضوع أو نقاش أو تجربة جديدة.
وهذا النوع الثاني يفتح باباً مهماً أمام كبار السن؛ فحتى الشخص الذي لم يكن شديد الانفتاح أو كثير المبادرة في شبابه، يمكن أن يستعيد فضوله في السبعين، سواء عبر متابعة موضوع علمي، أو تعلم استخدام تطبيق جديد، أو فهم طريقة تواصل الأحفاد عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى مشاهدة برنامج يثير سؤالاً لم يخطر له من قبل.
ماذا تقول الدراسات عن الفضول والتقدم في العمر؟
كشفت الدراسة التي أشارت إليها مجلة “سيكولوجيز” أنها شملت 1218 بالغاً تراوحت أعمارهم بين 20 و84 عاماً. وأظهرت النتائج أن الفضول بوصفه سمة شخصية عامة يميل إلى التراجع مع العمر، لكن الفضول المرتبط بالمواقف اليومية يعود للارتفاع بعد سن الخمسين، خصوصاً عندما يكون الموضوع الجديد متصلاً بخبرة تراكمت لدى الشخص عبر سنوات حياته.
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة “بلوس وان”، فإن كبار السن الذين يبقون مستعدين للانتباه إلى موضوعات جديدة، لا سيما تلك القريبة من معرفتهم السابقة، يظهرون سمات مرتبطة بما يُعرف بـ”الشيخوخة الناجحة”، مثل حيوية عقلية أفضل، وانفتاح أكبر على المستجدات، وقدرة أوسع على التفاعل مع الحياة اليومية.
ونقلت مجلة “بسيكولوجي” عن أحد مؤلفي الدراسة قوله إن النتائج تدعم بعض الأعمال البحثية المتعلقة بـ”نظرية الانتقائية”، التي تفترض أن الإنسان مع تقدمه في العمر لا يفقد بالضرورة الرغبة في التعلم، لكنه يصبح أكثر انتقائية في اختيار الموضوعات التي يريد التعمق فيها.
وأوضح الباحث أن هذا الأمر يظهر بوضوح في التعليم المستمر؛ إذ يعود كثير من كبار السن إلى مقاعد الدراسة، أو يبدأون هوايات جديدة، أو ينخرطون في أنشطة مثل مراقبة الطيور، أو تعلم الفنون، أو حضور المحاضرات. ويرى أن الحفاظ على مستوى من الفضول يمكن أن يساهم فعلاً في إبقاء الذهن نشطاً مع التقدم في العمر.
الفضول وصحة الدماغ بعد التقاعد
لا تقدم هذه النتائج وعداً طبياً قاطعاً، لكنها تفتح مساراً مهماً لفهم العلاقة بين الفضول وصحة الدماغ. فقد أوضحت مجلة “سيكولوجيز” أن ملخصات صادرة عن جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس تشير إلى ارتباط الفضول المستمر بتباطؤ التراجع المعرفي، وانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب أو مرض ألزهايمر في بعض الدراسات، مع التأكيد أن هذه العلاقة ترابطية وليست ضماناً للوقاية.
فكلما تبع الإنسان فضوله، تنشط في الدماغ شبكات متعددة في الوقت نفسه، تشمل الانتباه، والذاكرة، والاستدلال، واتخاذ القرار. هذا النشاط المركب يساعد على تحفيز المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على التكيف وتكوين روابط جديدة، وهي قدرة تزداد أهميتها مع التقدم في العمر.
وأضافت المجلة أن الفضول يمكن أن يحفز أيضاً مناطق مرتبطة بالذاكرة، من بينها الحُصين، وهي منطقة رئيسية في الدماغ، كما يرتبط بزيادة إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي له علاقة بالشعور بالمكافأة ومتعة التعلم. ومع مرور الوقت، قد يساهم هذا النشاط في بناء ما يعرف بـ”الاحتياطي المعرفي”، وهو مخزون من القدرات الذهنية قد يساعد الدماغ على مقاومة أعراض التدهور المعرفي لفترة أطول.
كيف ينعكس الفضول على الحياة اليومية لكبار السن؟
اللافت أن تأثير الفضول لا يقتصر على الدماغ وحده. فالمتقاعدون الذين يحافظون على رغبة في التعلم والاكتشاف غالباً ما يصفون يومهم بأنه أكثر حيوية. يشعرون بأن لديهم ما يفعلونه، وما ينتظرونه، وما يمكن أن يضيفوه إلى محيطهم العائلي والاجتماعي.
وبحسب ما أوردته مجلة “بسيكولوجي”، فإن الفضول يمنح كبار السن إحساساً بالاستمرارية؛ فهم لا ينظرون إلى التقاعد باعتباره نهاية للدور الاجتماعي أو المهني، بل كبداية لمرحلة مختلفة يمكن فيها إعادة اكتشاف الذات. وقد يكون ذلك من خلال قراءة مجال جديد، أو تعلم لغة، أو متابعة دورات قصيرة، أو الانضمام إلى نادٍ ثقافي، أو حتى طرح أسئلة بسيطة عن العالم الرقمي الذي يعيش فيه الأبناء والأحفاد.
وفي هذا السياق، يصبح الفضول وسيلة لتعزيز التواصل بين الأجيال. فحين يحاول الجد أو الجدة فهم ما يشغل الجيل الأصغر، تتسع مساحة الحوار داخل الأسرة، ويقل الشعور بالعزلة، وتتحول المعرفة إلى جسر اجتماعي ونفسي.
التقاعد لا يعني إغلاق باب التعلم
تؤكد النتائج التي عرضتها مجلة “بسيكولوجي” أن الاستعداد لمرحلة التقاعد لا ينبغي أن يقتصر على المال والفحوصات الطبية ونمط الغذاء. فهذه العناصر ضرورية بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة حياة متوازنة بعد السبعين. هناك أيضاً حاجة إلى تغذية العقل، وإبقاء الأسئلة مفتوحة، والسماح للنفس بتجربة ما لم يكن ممكناً في سنوات العمل والانشغال.
فالشيخوخة الصحية لا تعني فقط غياب المرض، بل تعني أيضاً بقاء الإنسان قادراً على الشعور بالاهتمام، والانتماء، والمتعة، والقدرة على التطور. ومن هنا يصبح الفضول عادة يومية صغيرة، لكنها ذات أثر كبير: سؤال جديد، كتاب مختلف، مهارة غير مألوفة، محادثة مع شخص أصغر سناً، أو تجربة بسيطة تكسر الرتابة.
وفي النهاية، لا تقول الدراسة إن الفضول وصفة سحرية تمنع الشيخوخة أو تضمن الوقاية من الأمراض، لكنها تكشف أن العقل الذي يواصل السؤال قد يشيخ بطريقة أكثر حيوية. فبعد السبعين، قد لا يكون الأهم هو عدد السنوات التي مضت، بل مقدار الرغبة التي لا تزال حاضرة لاكتشاف ما تبقى.
اقرأ المزيد
ليست مجرد قلة تركيز.. 3 عبارات شائعة تدمر نفسية المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه!
سيكولوجية القبول الاجتماعي: كيف يحول “الإنصات الصادق” وطرح الأسئلة جودة حضورك بين الآخرين؟
7 ردود ذكية تعتمدها النساء الذكيات عاطفياً للتعامل مع المتلاعبين بثقة ووعي

