وطن-بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الانتظار والبحث والأمل المعلّق، عاد اسم الطبيبة السورية رانيا العباسي وأطفالها الستة إلى واجهة المشهد السوري، لكن هذه المرة عبر استنتاج صادم حملته التحقيقات الرسمية: الأطفال الذين اختفوا مع والدتهم في دمشق عام 2013 يُرجّح بدرجة عالية أنهم قُتلوا داخل منظومة أمنية تابعة لنظام بشار الأسد.
لم تعد القضية التي تحولت طوال سنوات الحرب السورية إلى أحد أكثر ملفات الاختفاء القسري إيلاماً، مجرد لغز إنساني غامض، بل أصبحت اليوم شاهداً جديداً على حجم الانتهاكات التي ارتكبت داخل أجهزة النظام السابق، وعلى الطريقة التي جرى بها التعامل مع عائلات المعتقلين، وحتى الأطفال منهم، بوصفهم “أعداء للدولة”.
اختفاء عائلة كاملة في قلب دمشق
بدأت القصة في مارس عام 2013، عندما اقتحمت قوات الأمن السورية منزل طبيبة الأسنان وبطلة الشطرنج السابقة رانيا العباسي في العاصمة دمشق، بعد أيام من اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين.
في تلك الليلة، اختفت رانيا مع أطفالها الستة: ديمة، وانتصار، ونجاح، وآلاء، وأحمد، وليان، التي كانت تبلغ عامين فقط.
ومنذ ذلك الوقت، لم يظهر أي أثر رسمي للعائلة، ولم تتلق الأسرة أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم، رغم سنوات طويلة من البحث والشائعات والتسريبات التي تحدثت أحياناً عن نقل الأطفال إلى دور أيتام، أو تغيير هوياتهم، أو احتجازهم في مواقع سرية.
لكن الإعلان الأخير الصادر عن الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا أعاد القضية إلى الواجهة بشكل مختلف وأكثر قسوة.
استنتاج رسمي: الأطفال قُتلوا
بحسب ما كشفته الهيئة الوطنية للمفقودين، فإن التحقيقات توصلت إلى “نتائج موثوقة ومتقاطعة” تسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني أن أطفال رانيا العباسي لقوا حتفهم، مع استمرار البحث عن رفاتهم حتى الآن.
وجاء هذا الاستنتاج بعد عمليات تحليل ومراجعة لأدلة وشهادات ومواد مصورة مرتبطة بملفات أمنية تعود إلى السنوات الأولى من الحرب السورية.
ووفق ما نقلته تقارير إعلامية دولية، فإن أفراداً من عائلة العباسي تمكنوا من التعرف على الأطفال عبر تسجيلات مصورة ظهرت ضمن ملفات مرتبطة بالضابط السابق في المخابرات السورية أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن بدمشق.
من حي التضامن إلى أطفال العباسي
أعادت التحقيقات الخاصة بمجزرة حي التضامن فتح ملفات قديمة مرتبطة بعمليات الإعدام والاختفاء القسري التي نفذتها أجهزة النظام السوري.
وكان اسم أمجد يوسف قد برز عالمياً بعد تسريب مقاطع فيديو عام 2022 توثق عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013.
لكن الصدمة الجديدة تمثلت في ظهور تسجيلات تشير، بحسب العائلة والتحقيقات، إلى وجود أطفال رانيا العباسي داخل إحدى المقاطع المرتبطة بملفات أمنية لنظام الأسد.
وقال حسن العباسي، عم الأطفال، إن العائلة شاهدت لقطات يظهر فيها الأطفال داخل غرفة مظلمة، بينما يتم وصفهم بأنهم “ممولو إرهاب”، قبل أن يتم تصفيتهم لاحقاً.
وأضاف أن المشهد كان صادماً، لأن الأطفال لم يظهروا كضحايا حرب أو معتقلين عاديين، بل كأهداف جرى تجريدها حتى من صفة الطفولة.
الأطفال كضحايا لمنظومة أمنية كاملة
تكشف القضية جانباً أكثر قتامة من الحرب السورية، يتعلق بطريقة تعامل أجهزة النظام مع أبناء المعتقلين والمعارضين.
فبحسب وثائق وشهادات ظهرت خلال السنوات الأخيرة، لم يكن اختفاء الأطفال مجرد نتيجة فوضى الحرب، بل جزءاً من منظومة إدارية وأمنية شملت نقل أطفال المعتقلين بين الأفرع الأمنية ودور الأيتام ومراكز الاحتجاز، مع إخفاء هوياتهم الحقيقية ومنع عائلاتهم من الوصول إليهم.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن آلاف الأطفال تعرضوا للاختفاء القسري خلال سنوات الحرب، بينما بقيت عائلات كثيرة عاجزة حتى اليوم عن معرفة ما إذا كان أبناؤها أحياء أم قتلى.
وفي حالة أطفال رانيا العباسي، يبدو أن النظام تعامل معهم بوصفهم امتداداً لوالديهم، لا كأطفال يفترض أن يتمتعوا بالحماية.
جرح سوري مفتوح
أعاد الإعلان عن مصير الأطفال فتح ملف العدالة الانتقالية في سوريا، وسط مطالبات واسعة بمحاسبة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري والتعذيب والإعدام.
ويرى حقوقيون أن القضية تتجاوز مأساة عائلة واحدة، لأنها تكشف كيف تحولت تهم “الإرهاب” إلى أداة لتبرير قتل حتى الأطفال داخل منظومة أمنية مغلقة.
كما أعادت القضية إلى الواجهة التساؤلات حول مصير عشرات الآلاف من المفقودين السوريين الذين لا تزال عائلاتهم تبحث عن أي أثر لهم بعد سنوات من الحرب.
وعلى الرغم نت ترجيح وفاة الأطفال، فإن الملف لم يُغلق بالكامل بعد، إذ لا تزال عمليات البحث عن الرفات مستمرة، كما تتواصل التحقيقات لكشف جميع المتورطين في القضية.
العدالة المؤجلة
بالنسبة لعائلة العباسي، لم يعد السؤال اليوم: “أين الأطفال؟”، بل كيف يمكن محاسبة من حوّل حياة ستة أطفال إلى ملف أمني انتهى بالاختفاء والموت.
وبينما تحاول سوريا الجديدة فتح ملفات الماضي، تبقى قضية رانيا العباسي وأطفالها واحدة من أكثر القضايا رمزية في تاريخ الاختفاء القسري الحديث، ودليلاً على حجم الألم الذي خلفته سنوات الحرب والقمع.
فالصور التي ظلت طوال أكثر من عقد رمزاً للأمل بعودة الأطفال، تحولت اليوم إلى شاهد على واحدة من أحلك صفحات المأساة السورية
اقرأ المزيد

