وطن-قبل بزوغ الفجر، دوّت طرقات عنيفة على باب إحدى البنايات السكنية في بلدة بيرزيت شمال رام الله، لتبدأ عائلة فلسطينية ليلة جديدة من القلق تحت وقع اقتحام إسرائيلي انتهى باعتقال ابنتها الجامعية من دون توضيح أسباب الاعتقال.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن رند حلواني، البالغة من العمر 20 عاماً، كانت واحدة من خمس فلسطينيات اعتقلتهن قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة هذا الأسبوع، بينهن لاعبتان في منتخب فلسطين النسوي لكرة القدم، وثلاث طالبات جامعيات من جامعة بيرزيت.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الاعتقالات جاءت وسط تصاعد حاد في احتجاز النساء والفتيات الفلسطينيات، في وقت تؤكد فيه عائلات المعتقلات أن قوات الاحتلال لم تقدم أسباباً واضحة للاعتقال، واكتفت بإبلاغ الأهالي بأنهم “سيعرفون في المحكمة”.
اقتحام قبل الفجر واعتقال طالبة علم نفس
في بلدة بيرزيت، استيقظ أحمد صافي على أصوات جنود إسرائيليين يقتحمون البناية التي تقطنها عائلته. ظنّ الأب في البداية أن المداهمة تستهدف شخصاً آخر، قبل أن يكتشف أن الهدف هو ابنته سما صافي، البالغة من العمر 20 عاماً، وهي طالبة علم نفس في جامعة بيرزيت.
وقال أحمد صافي لصحيفة ميدل إيست آي: “فوجئنا، بل صُدمنا. لم نتوقع أبداً أن تكون المداهمة من أجل اعتقالها”. وأضاف أن الجنود دخلوا المبنى في ساعات الفجر الأولى يوم الثلاثاء، وأطلقوا الأوامر بصوت مرتفع أثناء تجولهم داخل المنزل.
وطلب الجنود، وفق رواية العائلة، بطاقات الهوية الخاصة بالأب والأم وسما، قبل أن يبلغوا الطالبة بوجود أمر اعتقال بحقها. وعندما حاولت العائلة معرفة السبب، اكتفى الضابط والجنود بالقول: “ستعرفون في المحكمة”.
وأضافت الصحيفة أن الجنود فتشوا غرفة سما وعبثوا بمحتوياتها، وصادروا هاتفها المحمول وحاسوبها الشخصي وعدداً من متعلقاتها، كما أخذوا صوراً لابن عمها أيسر صافي، الذي قتلته قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 2024.
بعد ذلك، اقتيدت سما إلى الطابق السفلي، حيث كُبّلت يداها وعُصبت عيناها، ثم نُقلت داخل آلية عسكرية إسرائيلية.
قلق صحي على سما صافي داخل مركز تحقيق المسكوبية
لا يقتصر قلق عائلة سما على الاعتقال نفسه، بل يمتد إلى وضعها الصحي. فالطالبة الفلسطينية تعاني من حمى البحر المتوسط العائلية، وهي مرض التهابي مزمن يحتاج إلى علاج دائم لتجنب مضاعفات خطيرة.
وقال والدها أحمد صافي للصحيفة إنه حاول مراراً شرح الحالة الصحية لابنته للجنود، لكنه لم يُمنح فرصة كافية لذلك. وأضاف: “نحن قلقون للغاية على صحتها. من دون الدواء، تعاني ارتفاعاً في الحرارة وآلاماً في الجسد وأعراضاً مرهقة”.
وأوضح أن المرض قد يتسبب في هجمات مناعية ذاتية، محذراً من أن إهمال العلاج قد يؤدي إلى أضرار خطيرة في الكبد والكلى.
وبحسب ما نقلته ميدل إيست آي عن العائلة، فقد تبين لاحقاً أن سما محتجزة في مركز تحقيق المسكوبية في القدس، ومن المقرر أن تُعقد أول جلسة محكمة لها الثلاثاء المقبل، بينما لا تزال التهم الموجهة إليها غير معروفة.
لاعبتان في منتخب فلسطين بين المعتقلات
لم تكن سما صافي الحالة الوحيدة. فقد أفادت صحيفة ميدل إيست آي بأن قوات الاحتلال اعتقلت هذا الأسبوع خمس فلسطينيات، ثلاث منهن طالبات حاليات في جامعة بيرزيت، إضافة إلى خريجة من الجامعة.
ومن بين المعتقلات لاعبتان في منتخب فلسطين النسوي لكرة القدم، هما ناتالي أبو دية، 20 عاماً، ورند حلواني، 20 عاماً. كما شملت الاعتقالات جولان أبو عوض، وليلى نائل خليل، وهي خريجة جامعة بيرزيت.
ناتالي أبو دية، الطالبة في تخصص الإعلام، اعتُقلت من سكنها الجامعي خلال مداهمة ليلية وصفها شهود بأنها عنيفة. وقال والدها سامر أبو دية للصحيفة إن ابنته مثّلت فلسطين دولياً ضمن منتخب فلسطين للناشئات تحت 18 عاماً.
وأضاف الأب: “كنا نتحدث معها هاتفياً حتى نحو الساعة العاشرة والنصف مساء. أخبرتنا أن لديها 13 مهمة دراسية يجب إنجازها، وأنها ستبقى مستيقظة حتى تنهيها. عند الثالثة والنصف فجراً، اتصلت بنا زميلاتها في السكن وأخبرننا أن الجيش اعتقلها”.
ونُقلت ناتالي لاحقاً إلى سجن عوفر، حيث التقت محاميها. وتقول عائلتها إنها لا تزال لا تعرف طبيعة التهم، إن وُجدت، الموجهة إليها.
وقال سامر أبو دية لصحيفة ميدل إيست آي: “ناتالي هي ابنتي الصغرى. مستقلة، صاحبة إرادة، وذكية بشكل استثنائي. لست قلقاً على قدرتها على الصمود، لكنني حزين جداً على الظلم الذي تتعرض له”.
اعتقال رند حلواني بعد استدعائها للتحقيق
أما رند حلواني، لاعبة منتخب فلسطين النسوي لكرة القدم، فقد اعتقلتها الشرطة الإسرائيلية بعد استدعائها للتحقيق في القدس، وتم تمديد احتجازها حتى يوم الجمعة، وفق ما أوردته الصحيفة.
وأدان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ما وصفه بـ”الاعتقالات الظالمة” بأشد العبارات، مؤكداً أن ما حدث ليس حادثاً معزولاً، بل يندرج ضمن نمط موثق من الاستهداف المنهجي للرياضيين الفلسطينيين من دون مساءلة.
ودعا الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، والاتحادات القارية، والمجتمع الرياضي الدولي الأوسع، إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى اتخاذ إجراءات تأديبية ملموسة ضمن الإطار الكروي لمواجهة هذه الانتهاكات المتواصلة.
وقال الاتحاد في بيانه إن استهداف الرياضيين الفلسطينيين يجب أن يتوقف، وكذلك سياسة الإفلات من العقاب والمعايير المزدوجة.
اعتقال جولان أبو عوض ومداهمة منزل عائلتها
في حالة أخرى، اعتقلت قوات الاحتلال جولان أبو عوض، وهي طالبة في السنة الثالثة بتخصص الإدارة العامة في جامعة بيرزيت، خلال مداهمة منزل عائلتها قبيل الفجر.
وقالت شقيقتها جنين أبو عوض لصحيفة ميدل إيست آي إن العائلة أصيبت بالذهول من الاعتقال. وأضافت: “حاولنا أن نسأل عن سبب اعتقالها، لكنهم قالوا لنا إننا سنعرف في المحكمة، وإنها ستُحتجز لفترة طويلة”.
وأوضحت أن الجنود فتشوا غرفة جولان بدقة وقلبوا محتوياتها رأساً على عقب. ولفتت العائلة إلى أن الاعتقال جاء بعد أسبوع واحد فقط من اقتحام سابق للمنزل، لم تُنفذ خلاله اعتقالات، لكن الجنود استجوبوا أفراد الأسرة وصادروا أغراضاً شخصية، بينها زجاجة عطر وعلبة سجائر.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن جولان محتجزة حالياً في مركز تحقيق المسكوبية. وتقول عائلتها إنها تعاني من نوبات صداع نصفي حادة ومتكررة، وتحتاج إلى أدوية منتظمة.
وقالت شقيقتها: “هي بحاجة إلى مسكنات قوية وحقنة مهدئة، لأنها عندما تُصاب بالصداع النصفي تتقيأ، ولا تحتمل الضوء، وتحتاج إلى صمت تام. نحن قلقون جداً على صحتها”.
ارتفاع الاعتقالات في الضفة الغربية
تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات اعتقال يومية في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، تطال عشرات الفلسطينيين أسبوعياً. ووفق مؤسسات حقوقية فلسطينية معنية بشؤون الأسرى، يوجد حالياً نحو 9 آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية، نصفهم تقريباً من دون توجيه تهم أو محاكمة.
وقال عبد الله الزغاري، رئيس نادي الأسير الفلسطيني، لصحيفة ميدل إيست آي إن هناك ارتفاعاً واضحاً في اعتقال الفتيات والنساء، خصوصاً طالبات الجامعات والأسيرات السابقات.
وأضاف الزغاري أن كثيراً من الاعتقالات تُنفذ تحت ذريعة “التحريض”، وغالباً ما ترتبط بمنشورات أو نشاطات على وسائل التواصل الاجتماعي تعبّر عن رفض الاحتلال أو التضامن مع الفلسطينيين.
وأكد أن الطالبات والطلاب الجامعيين باتوا أكثر عرضة للاعتقال تحت هذا الادعاء، الذي قال إنه “لا يستند إلى أي أساس قانوني”. وأضاف: “هذه الاعتقالات جزء من أعمال انتقامية متواصلة يمارسها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني”.
89 أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال
وحذّر رئيس نادي الأسير الفلسطيني من أن المعتقلات يواجهن مخاطر متزايدة داخل السجون الإسرائيلية، في ظل الإجراءات العقابية التي تشمل، وفق قوله، سوء المعاملة والإهمال الطبي والعزل الانفرادي.
وقال نادي الأسير الفلسطيني إن عدد النساء الفلسطينيات المحتجزات حالياً في سجون الاحتلال ارتفع إلى 89 أسيرة، بينهن ثلاث طفلات، وثلاث نساء حوامل، وامرأتان مصابتان بالسرطان.
وتُحتجز معظم الأسيرات في سجن الدامون، بينما لا تزال أخريات في مراكز التحقيق والاحتجاز. كما يوجد ما لا يقل عن 19 امرأة رهن الاعتقال الإداري بعد اتهامهن بالتحريض، وهو إجراء يسمح بالحبس من دون تهمة أو محاكمة لفترات قابلة للتجديد إلى أجل غير محدد.
وتأتي هذه الاعتقالات، كما نقلت صحيفة ميدل إيست آي، في سياق أوسع من التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، حيث تتزايد المخاوف الحقوقية والإنسانية من اتساع دائرة استهداف النساء والفتيات، ولا سيما الطالبات والرياضيات، في ظل غياب التهم الواضحة واستمرار الاحتجاز من دون ضمانات قانونية كافية.
قد يعجبك
أبارتهايد قضائي.. إسرائيل تُفعّل قانون إعدام الفلسطينيين في الضفة وتستثني المستوطنين..
لا صفقات تبادل بعد اليوم.. قانون إسرائيلي جديد يضع أسرى 7 أكتوبر أمام خيارين: المؤبد أو الإعدام
بين احتفالات الميلاد وقوانين الإعدام: بن غفير يشرعن ’مقصلة‘ جديدة لـ 9000 أسير فلسطيني
إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين في غزة خلال 24 ساعة وتعتقل صيادين قبالة شاطئ المدينة

