وطن-يمثل الاتفاق المبدئي لإنهاء الحرب في إيران وإعادة فتح مضيق هرمز بارقة أمل للاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، بعدما تسبب إغلاق واحد من أهم الممرات البحرية في العالم في اضطراب واسع بتدفقات النفط وارتفاع علاوة المخاطر في الأسعار. ورغم تراجع أسعار النفط يوم الاثنين عقب الإعلان عن التفاهم، فإن الأسئلة الكبرى لا تزال قائمة: متى يعود النفط للتدفق؟ وكيف ستُستأنف الملاحة في المضيق؟ وهل تراجع خطر الهجمات فعلاً؟
وقالت وكالة أسوشيتد برس في تقرير لها إن إعادة فتح مضيق هرمز، حتى إذا تمت رسمياً، لا تعني عودة فورية إلى الأوضاع التي كانت قائمة قبل الحرب. فقبل اندلاع الأزمة، كان المضيق ينقل نحو خُمس إمدادات النفط الخام في العالم، ما يجعله الشريان الأكثر حساسية في تجارة الطاقة العالمية. أما الآن، فهناك مئات السفن العالقة في الخليج العربي، وشركات شحن وناقلات تنتظر مؤشرات واضحة على أن العبور أصبح آمناً.
وبحسب ما أوردته الوكالة، فإن منتجي النفط في الخليج الذين خفّضوا أو أوقفوا جزءاً من إنتاجهم خلال الأزمة سيحتاجون بدورهم إلى وقت لإعادة تشغيل الحقول ورفع الإنتاج تدريجياً. كما أن قباطنة السفن وشركات التأمين وملاك الناقلات قد لا يندفعون سريعاً للمرور عبر المضيق قبل التأكد من أن خطر الهجمات الإيرانية قد تراجع بشكل حقيقي ومستدام.
لا تزال تفاصيل الاتفاق المقرر توقيعه يوم الجمعة، غير معلنة بالكامل وحتى في حال صموده، فإن أسعار النفط ومعدلات التضخم وتدفقات الطاقة العالمية لن تعود إلى مستويات ما قبل الحرب خلال أيام، بل قد يستغرق الأمر أسابيع وربما أشهراً.
متى يعود النفط للتدفق عبر مضيق هرمز؟
حتى إذا أعلن فتح مضيق هرمز بشكل كامل، فإن حركة الناقلات ستحتاج إلى وقت طويل قبل أن تنعكس على الأسواق. فالناقلات يجب أن تدخل إلى الموانئ، وتحمل النفط، ثم تبدأ رحلاتها الطويلة إلى الدول الآسيوية، وهي الزبون الرئيسي لنفط الخليج القادم من السعودية والعراق والبحرين والإمارات والكويت وسلطنة عمان.
وأضافت وكالة أسوشيتد برس أن رحلة ناقلة النفط إلى اليابان والعودة قد تستغرق ما بين 45 و50 يوماً، ما يعني أن استئناف التدفقات الفعلية لن يظهر فوراً في المخزونات أو الإمدادات العالمية. كما أن قرارات العبور لن تكون تجارية فقط، بل أمنية وقانونية وتأمينية أيضاً، في ظل بيئة لا تزال شديدة التقلب.
وقال ريتشارد ميد، رئيس تحرير شركة «لويدز ليست» المتخصصة في بيانات وتحليلات الشحن، إن القطاع البحري لا يتجه عملياً إلى العودة السريعة. وأوضح أن كثيرين يرون أن إزالة الألغام والعودة إلى استخدام ممرات العبور المعترف بها دولياً شرط أساسي لاستئناف الملاحة الآمنة في المضيق.
وخلال الأزمة، كانت بعض السفن تغادر تدريجياً عبر ممر تدقيق تديره إيران في شمال المضيق، بينما خرجت سفن أخرى عبر ممر جنوبي بمحاذاة الساحل العماني، تحت إرشاد القوات الأمريكية، مع إطفاء الأضواء وأنظمة تحديد المواقع لتجنب المخاطر. وكانت إيران قد هددت بمهاجمة السفن التي تستخدم ممرات العبور الدولية في منتصف المضيق، وهي الممرات المصممة أصلاً للفصل بين السفن الداخلة والخارجة ومنع التصادم.
وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في معلومات الطاقة والملاحة، لا يزال نحو 500 سفينة تجارية داخل الخليج العربي، ولا يمكن لهذه السفن جميعاً أن تغادر مرة واحدة عبر مضيق ضيق وحساس مثل هرمز. وهذا وحده كفيل بجعل عملية عودة الملاحة تدريجية ومعقدة.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن أمينة بكر، رئيسة قسم الطاقة في الشرق الأوسط ورؤى «أوبك+» لدى «كبلر»، تقديرها أن إزالة الألغام قد تستغرق ستة أشهر، بينما تحتاج السفن إلى شهرين أو ثلاثة أشهر للخروج ثم العودة مجدداً للتحميل. أما إعادة الإنتاج في بعض الدول إلى مستويات ما قبل الحرب فقد تستغرق ثلاثة أشهر إضافية.
ماذا يعني «فتح» مضيق هرمز؟
على الرغم من الحديث عن اتفاق لفتح المضيق، فإن معنى هذا الفتح لا يزال غامضاً. فإيران تطالب بحق تحصيل رسوم من السفن التي تعبر المضيق، وقد حصلت بالفعل في بعض الحالات على مدفوعات مقابل السماح لسفن بالمغادرة. في المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» إن الاتفاق يتضمن فتحاً «من دون رسوم»، لكن لم يصدر تأكيد مماثل من الجانب الإيراني.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن الفترة الفاصلة بين إعلان الاتفاق وتوقيعه تتيح للطرفين مساحة لإصدار تصريحات متباينة بشأن بنوده، خصوصاً ما يتعلق بمدى إدارة إيران لحركة السفن وحقها في المطالبة برسوم عبور.
وقال توربيورن سولتفدت، كبير محللي شؤون الشرق الأوسط في شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في تقييم المخاطر، إن هذه المرحلة قد تشهد بيانات متضاربة من الطرفين حول مضمون الاتفاق، لا سيما بشأن إدارة حركة المرور البحرية والرسوم المحتملة.
وتشكل مسألة دفع الرسوم معضلة قانونية ومالية كبيرة لملاك السفن وشركات الشحن. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يصنفان الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الجهة التي أعلنت إيران أنها ستتولى عمليات التحصيل. وبذلك، فإن أي دفع محتمل قد يعرّض شركات الشحن والبنوك لعقوبات ما لم يتم تعديل تلك القيود.
وبحسب ما أوردته الوكالة، يرى خبراء قانونيون أن السماح لإيران بالتحكم في المرور عبر المضيق قد يتعارض مع القانون الدولي ومبدأ حرية الملاحة المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تلزم الدول بالسماح بالمرور السلمي عبر المياه الإقليمية. وتُعد مياه مضيق هرمز مشتركة بين إيران من الشمال وسلطنة عمان من الجنوب.
منتجو النفط يحتاجون وقتاً لإعادة التشغيل
لا تقتصر التعقيدات على الملاحة فقط، فمنتجو النفط في الشرق الأوسط يواجهون تحدياً آخر يتمثل في إعادة تشغيل الحقول التي تم خفض إنتاجها أو إيقافها مؤقتاً بعد امتلاء مساحات التخزين. وتُعرف هذه الحالة في قطاع النفط باسم «إغلاق الإنتاج» أو shut-in، وهي عملية قد تكون العودة منها بطيئة ومعقدة، خصوصاً في الحقول القديمة أو ذات البنية الفنية الصعبة.
وأوضحت وكالة أسوشيتد برس أن بعض الدول قد تكون أسرع من غيرها في استعادة الإنتاج، خصوصاً السعودية والإمارات، اللتين تمكنتا من تصدير جزء من نفطهما عبر خطوط أنابيب أو طرق بديلة لا تمر بمضيق هرمز.
وقال آلان غيلدر، نائب الرئيس الأول لأسواق التكرير والكيماويات والنفط في شركة «وود ماكنزي»، إن دولاً مثل السعودية والإمارات قد تكون بين الأسرع في استئناف الإنتاج بوتيرة طبيعية نسبياً. لكنه أشار إلى أن العراق قد يواجه صعوبات أكبر بسبب حجم الإغلاق الذي تعرض له، وطبيعة حقوله الأكثر تعقيداً، مرجحاً أن يستغرق الأمر نحو عام قبل أن يعود إلى مستوياته السابقة.
من جانبه، قال كلاوديو غاليمبرتي، كبير الاقتصاديين في شركة «ريستاد إنرجي»، إن معنويات السوق تحسنت بوضوح بعد الإعلان عن الاتفاق، لكنه شدد على أن تحسن المعنويات لا يساوي عودة الإمدادات. وأضاف أن زيادة الإنتاج مجدداً، وعودة الخدمات اللوجستية إلى طبيعتها، وتلاشي علاوة المخاطر من أسعار النفط، كلها أمور تحتاج إلى وقت.
كما نقلت الوكالة عن دانيال ستيرنوف، الزميل الأول في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، قوله إن الدول المنتجة لن تعيد التشغيل الكامل قبل أن تتأكد من أن مضيق هرمز مفتوح بشكل مستدام، وأن وقف إطلاق النار سيصمد لأكثر من 30 أو 60 يوماً.
وتقدر مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» أن تدفقات الطاقة قد تصل إلى نحو 80% من مستويات ما قبل الحرب بحلول سبتمبر، وهو تقدير يعكس أن التعافي سيكون تدريجياً وليس فورياً.
التضخم لن يتراجع سريعاً
على الرغم من أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تخفف الضغط عن أسواق الطاقة، فإن الاقتصاديين لا يتوقعون تراجعاً سريعاً في التضخم. فأسعار النفط لا تنتقل فوراً إلى المستهلكين، كما أن اضطرابات الشحن والتأمين والمخزونات والعقود طويلة الأجل تجعل أثر الانفراج بطيئاً.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن التضخم سيبقى فوق المستهدف في معظم الاقتصادات الكبرى خلال العام الجاري والنصف الأول من العام المقبل، حتى مع استمرار ضعف النمو نسبياً.
وقال نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، إن معدلات التضخم مرشحة للبقاء أعلى من أهداف البنوك المركزية في أغلب الاقتصادات الرئيسية، رغم أن النشاط الاقتصادي لا يزال ضعيفاً نسبياً.
بل إن التضخم قد يرتفع في بعض الدول عندما تنتهي الإجراءات الحكومية المؤقتة التي اتخذت لتخفيف صدمة الطاقة. وفي هذا السياق، قال يواخيم ناغل، رئيس البنك المركزي الألماني «بوندسبنك»، في خطاب يوم الاثنين، إن أسعار الطاقة قد تشهد ضغوطاً جديدة مع انتهاء بعض التدابير الداعمة.
ومن بين هذه الإجراءات خفض ألمانيا المؤقت لضريبة الوقود بمقدار 17 سنتاً يورو للتر، وهو إجراء يستمر حتى 30 يونيو. وقال ناغل إن عودة إمدادات النفط إلى طبيعتها ستستغرق أشهراً، ما يعني أن أثر الاتفاق على المستهلكين والشركات لن يكون فورياً.
ختاماً، يبدو الاتفاق بشأن مضيق هرمز خطوة مهمة نحو تهدئة أسواق النفط وفتح الطريق أمام عودة تدريجية للتجارة البحرية في الخليج. لكن الطريق إلى الاستقرار الكامل لا يزال طويلاً، إذ تتداخل فيه اعتبارات الأمن والملاحة والعقوبات والإنتاج والتأمين. وحتى يتضح ما إذا كان الاتفاق سيصمد فعلاً، ستظل أسواق الطاقة العالمية تراقب المضيق الأهم في العالم بحذر بالغ.
قد يعجبك
البحرية الأمريكية ترافق ناقلات نفط عبر مضيق هرمز.. وواشنطن تربط تراجع الأسعار بزيادة التدفقات
بسبب حرب هرمز.. خبراء الشحن البحري يدرسون نقل مقراتهم من دبي إلى اليونان
اتفاق أميركي إيراني مرتقب في سويسرا لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز..

