وطن-في حكم جديد يسلّط الضوء على ملفات الانتهاكات المرتبطة بالحرب السورية، قضت محكمة هولندية، الاثنين، بسجن مواطن سوري لمدة 26 عاماً بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، شملت تعذيب واغتصاب معارضين محتجزين خلال فترة حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن المتهم، الذي عرّفته السلطات الهولندية باسم رفيق الق. التزاماً بقوانين الخصوصية في هولندا، كان قد مثل أمام المحكمة في أبريل الماضي، حيث واجه اتهامات تتعلق بالتعذيب والاعتداء الجنسي والاغتصاب. ونفى الرجل البالغ من العمر 58 عاماً التهم الموجهة إليه، زاعماً أن الضحايا المزعومين والشرطة تآمروا ضده.
وجاء الحكم الصادر عن محكمة منطقة لاهاي ضمن سلسلة أحكام وملاحقات قضائية شهدتها دول أوروبية ضد مشتبه بهم سوريين، منذ سقوط بشار الأسد من السلطة في ديسمبر 2024، إثر هجوم واسع شنّته فصائل معارضة أنهى سنوات طويلة من الحرب الأهلية المدمرة. وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فرّ الأسد بعد ذلك إلى روسيا، حليفته التقليدية.
وتعيد هذه القضايا فتح ملف مراكز الاحتجاز في سوريا خلال حكم الأسد، حيث تحدث ناشطون ومنظمات حقوقية ومعتقلون سابقون عن انتشار واسع للتعذيب، والعنف الوحشي، والانتهاكات الجنسية، والإعدامات الجماعية داخل عشرات السجون والمقار الأمنية في أنحاء البلاد.
وأضافت الوكالة أن القضاة خلصوا إلى أن رفيق الق. كان عضواً في قوات الدفاع الوطني الموالية للأسد، وعمل بين عامي 2013 و2014 محققاً لدى هذه المجموعة شبه العسكرية خلال الحرب السورية. ووفقاً للمحكمة، أثبتت الأدلة مسؤوليته عن تعذيب محتجزين في مراكز اعتقال بمدينة السلمية، وشمل ذلك ضربهم وتعليقهم رأساً على عقب وصعقهم بالكهرباء.
وقالت المحكمة، في ملخص حكمها، إن المتهم أدين أيضاً بارتكاب اعتداءات جنسية بحق عدد من الضحايا، واغتصاب أحدهم. وأضافت أن “المتهم عرّض الضحايا مراراً لظروف قاسية من الخوف الشديد والتهديد والألم واليأس والعجز”، مشيرة إلى أن الضحايا قدموا خلال جلسات المحاكمة شهادات مؤثرة عن آثار ما تعرضوا له، وعن المعاناة التي لا تزال تلاحقهم حتى اليوم.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، ظهر رفيق الق. داخل قاعة المحكمة مرتدياً قميصاً مخططاً وجالساً إلى جانب محاميه، بينما وقف حراس بالقرب منه. ولم يصدر عنه أي تعليق واضح أثناء إدانته وإعلان الحكم بسجنه. وفي المقابل، برأته المحكمة من عدد من التهم الأخرى بعدما اعتبر القضاة أن الأدلة غير كافية لإثباتها.
وكان رفيق الق. قد تقدم بطلب لجوء في هولندا عام 2021، وكان يقيم في بلدة دروتن شرقي البلاد قبل أن تعتقله السلطات الهولندية في عام 2023.
وتستند محاكمته إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ قانوني يتيح للدول ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى لو ارتُكبت هذه الجرائم خارج أراضيها. ويُعد هذا المسار من أبرز الأدوات القانونية التي تستخدمها دول أوروبية لمحاسبة متهمين بارتكاب انتهاكات في سوريا.
وأوضحت الوكالة أن الادعاء العام والمتهم يملكان مهلة 14 يوماً لاستئناف الحكم والعقوبة الصادرة بحقه.
ولا تنفرد هولندا بملاحقة سوريين يشتبه بارتباطهم بانتهاكات ارتكبت خلال حكم الأسد. فقد شهدت ألمانيا وفرنسا خلال الأعوام الأخيرة محاكمات بارزة استندت إلى شهادات ضحايا ووثائق حقوقية حول التعذيب والقتل داخل سوريا.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن محكمة ألمانية أصدرت العام الماضي حكماً بالسجن المؤبد على طبيب سوري بعد إدانته بارتكاب التعذيب وجرائم حرب في سوريا، بينها قتل شخصين وتعذيب تسعة آخرين بين عامي 2011 و2012. كما أصدرت محكمة في باريس عام 2024 أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد على ثلاثة مسؤولين سوريين كبار بعد إدانتهم بالتواطؤ في جرائم حرب.
وفي الداخل السوري، بدأت السلطات الجديدة أيضاً مساراً قضائياً لمحاسبة مسؤولين سابقين موالين للأسد. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا في أبريل الماضي، افتُتحت في دمشق أول محاكمة علنية لمسؤولين سابقين في الحكومة، حيث مثل عاطف نجيب، العميد السابق في الجيش السوري والرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، أمام المحكمة لمواجهة اتهامات تتعلق بـ”جرائم ضد الشعب السوري”.
ويُعد نجيب، وهو ابن خالة الرئيس السابق بشار الأسد، من أبرز الأسماء التي ارتبطت ببدايات الاحتجاجات في درعا عام 2011، قبل أن تتحول الأحداث إلى حرب طويلة خلّفت دماراً واسعاً ومئات آلاف الضحايا وملايين النازحين واللاجئين.
ويعكس الحكم الهولندي اتجاهاً متصاعداً نحو ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سوريا خارج حدود البلاد، في ظل صعوبة طي ملف الانتهاكات التي شهدتها سنوات الحرب، واستمرار سعي الضحايا وعائلاتهم إلى العدالة والمحاسبة.
اقرأ المزيد
خنقاً بأسلاك البلاستيك في يوم اعتقالهم.. تفكك اللغز الفاجع لتصفية أطفال رانيا العباسي على يد سفاح التضامن

