وطن-بعد 107 أيام من الحرب في إيران، يترقب سوق الطاقة العالمي ما قد يكون الإعلان الأكثر تأثيراً منذ بداية الأزمة: اتفاق أميركي إيراني يمهد لإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً، وعودة تدفق النفط عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. لكن التفاؤل لا يلغي الحذر، فالشركات النفطية والناقلات البحرية والخبراء يدركون أن العودة إلى الوضع الطبيعي لن تكون فورية، وأن الطريق أمام الملاحة في هرمز لا يزال يحتاج إلى ضمانات أمنية وفنية واضحة.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن التوقيع على الاتفاق المنتظر مقرر يوم الجمعة، على أن تبدأ بعده عملية إعادة فتح مضيق هرمز بشكل تدريجي، ما لم تطرأ تطورات تعيد خلط الأوراق. وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة أعلنت في مراحل سابقة من الحرب عن قرب التوصل إلى تفاهمات مشابهة، لكنها لم تكتمل، وهو ما يفسر حالة التحفظ الحالية داخل أسواق النفط والشحن البحري.
ويمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو 20% من النفط العالمي. ومنذ 28 فبراير الماضي، تراجعت الإمدادات عبره تدريجياً إلى مستويات شبه معدومة، ما تسبب في اضطراب كبير في حركة النفط الخام والمنتجات المكررة، ورفع تكلفة الشحن والتأمين، وأدخل الأسواق في موجات متكررة من التقلب.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إل إندبندينتي”، فإن الأولوية الأولى قبل استئناف الحركة التجارية الكاملة تتمثل في إزالة الألغام من مضيق هرمز. فقد وضعت إيران، خلال الحرب، دفاعات بحرية تشمل ألغاماً تحت سطح المياه، ويجب سحبها أو تأمين ممرات عبور واضحة قبل السماح بعودة الملاحة على نطاق واسع.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 500 سفينة، بين ناقلات نفط وسفن تحمل منتجات مكررة، لا تزال تنتظر العبور في محيط المضيق. وبعض هذه السفن ظل عالقاً لقرابة ثلاثة أشهر قرب هرمز، في انتظار انفراجة سياسية وأمنية تسمح له باستكمال رحلته. وتطمح الأسواق إلى أن يرتفع عدد السفن العابرة تدريجياً خلال الأيام المقبلة، وصولاً إلى المستويات المعتادة قبل الحرب، حين كان يعبر المضيق في المتوسط نحو 134 ناقلة نفط يومياً.
ونقلت الصحيفة عن الجمعية الإسبانية لصناعة الوقود قولها إن القطاع لا يزال يتعامل مع التطورات بحذر شديد، مضيفة: “في الوقت الحالي نحن حذرون جداً، وعلينا أن نرى فعلاً أن المضيق قد أعيد فتحه”. وأوضحت الجمعية أنه حتى في حال استئناف الحركة البحرية، فإن السوق سيحتاج إلى وقت للتعافي، متوقعة أن تظل التقلبات هي السمة الأبرز لتعاملات النفط خلال الأيام المقبلة.
وانعكست أنباء الاتفاق سريعاً على أسعار النفط. فقد هبط سعر خام برنت، يوم الاثنين، بأكثر من 4% عقب تأكيد مبدأ الاتفاق بين واشنطن وطهران لإنهاء النزاع. غير أن السوق، وفق ما ذكرته إل إندبندينتي، كان قد بدأ بالفعل في احتساب هذا السيناريو منذ أيام، خصوصاً منذ الجمعة الماضية، مع تسارع الاتصالات والمفاوضات بين الجانبين.
وخلال الشهر الأخير وحده، تراجع سعر النفط بنحو 23% مع تحسن مؤشرات التهدئة. ففي 15 مايو الماضي، كان سعر البرميل يدور حول 109 دولارات، بينما بات حالياً يتجاوز بالكاد 82.5 دولاراً. ورغم هذا الهبوط الكبير، لا يزال السعر أعلى من مستواه عند بداية الحرب، حين كان خام برنت قريباً من 73 دولاراً للبرميل.
وتتعامل شركات الشحن البحري الدولية بدورها بحذر مع هذه التطورات. فالتجارب السابقة، التي شهدت الإعلان عن مفاوضات ثم تعثرها في اللحظات الأخيرة، جعلت القطاع يطالب بضمانات ملموسة قبل استئناف حركة النقل التجاري عبر هرمز. وقالت الصحيفة إن منظمات مثل إنترتانكو، المعنية بمصالح ناقلات النفط، دعت إلى التريث، مؤكدة أن مرور السفن يحتاج إلى تأكيدات فعلية بأن المنطقة آمنة للملاحة.
وتزداد حساسية الموقف بسبب القيمة الضخمة للشحنات النفطية وتكاليف التأمين المرتفعة، فضلاً عن المخاوف من أي جولة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة. ووفقاً للصحيفة الإسبانية، تعرضت 47 سفينة كبيرة لهجمات خلال فترة الحرب، ما عزز قلق شركات النقل البحري من استئناف العبور قبل اكتمال الإجراءات الأمنية.
ورحبت المنظمة البحرية الدولية بالتطورات الأخيرة، لكنها شددت على أن التعافي سيكون تدريجياً. وذكّرت المنظمة، بحسب ما أوردته الصحيفة، بأن الأولوية يجب ألا تقتصر على تدفقات النفط، بل ينبغي أن تشمل أولاً أوضاع نحو 20 ألف عامل بحري عالقين منذ أشهر على متن سفن متوقفة في عرض البحر.
وترى المنظمة أن استعادة هؤلاء البحارة وتأمين أوضاعهم الإنسانية والمهنية يجب أن يسبقا أي خطة واسعة لإعادة تشغيل الممر التجاري. وبعد ذلك، يمكن وضع آلية آمنة ومنظمة لعبور السفن عبر مضيق هرمز. وفي السياق نفسه، دعا الأمين العام لغرفة الملاحة الدولية، توماس كازاكوس، إلى أن تتم العودة إلى الوضع الطبيعي “من دون رسوم عبور أو آليات تخليص تعسفية”.
ورغم هبوط الأسعار بعد أنباء الاتفاق، فإن سوق النفط لم يعد بعد إلى مستويات ما قبل الحرب. فالسعر الحالي لا يزال أعلى بنحو 13% مقارنة بسعر البرميل عند بداية النزاع. وخلال أكثر من ثلاثة أشهر من التوتر، قفزت الأسعار في بعض الفترات مقتربة من 120 دولاراً للبرميل، خصوصاً بين 31 مارس و5 مايو، قبل أن تبدأ موجة هبوط تدريجية متقطعة بفعل مؤشرات التفاوض.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” إن الأزمة أصابت دول الخليج بشكل مباشر، إذ تعثرت قدرتها على تصدير إنتاجها النفطي بسبب إغلاق الممر البحري الأهم. وأدى ذلك إلى امتلاء الخزانات ومرافق التخزين، في ظاهرة وصفها خبراء الطاقة بـ”تأثير السدادة”، حيث تراكمت كميات كبيرة من النفط تبحث الآن عن منفذ إلى الأسواق العالمية.
ونقلت الصحيفة عن أنطونيو أسيتونو، خبير الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة تمبوس إنرغيا، قوله إن النفط الذي لم تتمكن الدول المنتجة من بيعه خلال الأشهر الماضية سيبحث الآن عن طريقه إلى السوق، ما قد يؤدي إلى تدفق كبير للإمدادات لتلبية الطلب العالمي. وأضاف أن السوق “متعطشة للنفط”، موضحاً أن هناك أطرافاً ترغب في البيع وأخرى تحتاج إلى الشراء.
وتعتمد اقتصادات خليجية عدة على النفط كمصدر رئيسي للتمويل، وهو ما جعل فترة الإغلاق الطويلة مؤلمة مالياً وتجاريًا. وفي المقابل، اضطرت دول مستهلكة كبرى إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية لتغطية احتياجاتها. وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول، باعتبارها من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، وقد تحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى إعادة ملء مخزوناتها.
وخلال ذروة الأزمة، اتفقت دول وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطاتها الاستراتيجية لتخفيف الضغط على الأسواق. ووفق ما أوردته الصحيفة، كانت إسبانيا من بين الدول المشاركة في هذه الخطة، إذ تعهدت بالإفراج عن نحو 12 مليون برميل.
ويرى خبير الطاقة أنطونيو أسيتونو، أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة السوق على تجاوز حالة الشك، والتأكد من أن تدفق النفط عبر مضيق هرمز لم يعد مجرد بند في اتفاق سياسي، بل تحول إلى واقع عملي. وقال إن المطلوب الآن هو أن يرى المتعاملون السفن تعبر فعلياً، وأن تعود الإمدادات إلى مسارها الطبيعي.
وعلى المدى المتوسط، يتوقع أسيتونو أن يستقر سعر خام النفط في نطاق يتراوح بين 78 و85 دولاراً للبرميل، إذا تأكد تنفيذ الاتفاق واستمرت عملية فتح مضيق هرمز من دون انتكاسات أمنية أو سياسية. وحتى ذلك الحين، سيبقى سوق النفط العالمي تحت تأثير مزيج من التفاؤل الحذر، وترقب إجراءات إزالة الألغام، ومصير مئات السفن وآلاف العاملين العالقين في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
اقرأ المزيد
البحرية الأمريكية ترافق ناقلات نفط عبر مضيق هرمز.. وواشنطن تربط تراجع الأسعار بزيادة التدفقات
ترامب غاضباً من نتنياهو.. غارات إسرائيلية على بيروت تهدد بإسقاط اتفاق أمريكي إيراني

