وطن-قبل أن يخوض منتخب الجزائر لكرة القدم أولى مبارياته في كأس العالم 2026، كان قد حقق انتصاراً من نوع آخر بعيداً عن أرض الملعب، بعدما نجح في كسب قلوب سكان مدينة لورنس في ولاية كانساس الأمريكية، التي تحولت خلال الأيام الماضية إلى مساحة ترحيب استثنائية بـ«محاربي الصحراء».
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مدينة لورنس، المعروفة في الولايات المتحدة أكثر بجامعة كانساس وفريقها الشهير «جايهوكس» (صقور جامعة كانساس) من شهرتها بكرة القدم العالمية، وجدت نفسها فجأة في قلب أجواء المونديال، بعدما اختار المنتخب الجزائري الإقامة والتدريب فيها خلال مشاركته في كأس العالم 2026.
وبدأت العلاقة بين المدينة الأمريكية والمنتخب الجزائري قبل أشهر من انطلاق البطولة، عندما أُعلن رسمياً في فبراير الماضي اختيار لورنس مقراً لمعسكر الجزائر في كأس العالم. واختار الجهاز الفني للمنتخب الجزائري مجمع «روك تشوك بارك» ليكون مقراً للتدريبات، فيما وصف مسؤولون محليون المدينة بأنها «البيت الثاني» للجزائر خلال البطولة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن اختيار لورنس لم يكن مجرد ترتيب تنظيمي مرتبط باستضافة كأس العالم 2026، بل تحول تدريجياً إلى حالة شعبية لافتة، إذ أصبح لاعبو المنتخب الجزائري ومدربوه وأفراد الطاقم المساند بمثابة سكان مؤقتين في المدينة، بينما يستعد الفريق لمبارياته في دور المجموعات.
ومن المقرر أن يخوض منتخب الجزائر مباراتين على ملعب كانساس سيتي، أولاها أمام منتخب الأرجنتين حامل اللقب يوم 16 يونيو، ثم مباراة أخرى أمام النمسا يوم 27 من الشهر نفسه، في واحدة من أبرز محطات المنتخب الجزائري خلال البطولة.
وخلال الأيام الأخيرة، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة ومنشورات من مدينة لورنس، أظهرت أعلام الجزائر مرفوعة في شوارع ومحال ومطاعم، وسكاناً محليين يحاولون ترديد الأهازيج الجزائرية، إلى جانب ترحيب واضح من المتاجر والمطاعم بالمشجعين الجزائريين والعرب والمسلمين الموجودين في المنطقة.
وأضافت صحيفة “ميدل إيست آي” أن عبارة «روك تشوك الجزائر» (تحوير لهتاف جامعة كانساس الشهير «روك تشوك جايهوك») تحولت إلى وسم شعبي واسع الانتشار على منصات التواصل، لتصبح رمزاً لعلاقة ودية غير متوقعة بين مدينة أمريكية في الغرب الأوسط ومنتخب عربي أفريقي من شمال أفريقيا.
وبالنسبة إلى كثير من الجزائريين داخل البلاد وفي المهجر، بدت المشاهد القادمة من كانساس مؤثرة ولافتة؛ فمدينة صغيرة تبعد آلاف الكيلومترات عن الجزائر العاصمة تعامل منتخبهم لا كضيف عابر، بل كضيف شرف يستحق الاحتفاء.
ولا تُصنّف كانساس عادةً باعتبارها مركزاً للحياة العربية أو الإسلامية أو المغاربية، غير أن منطقة كانساس سيتي والبلدات المحيطة بها تضم منذ سنوات مجتمعات مسلمة وعربية وأفريقية متفرقة، بينها عائلات جزائرية ساهمت في تحويل وصول المنتخب إلى مناسبة اجتماعية أوسع من مجرد حدث رياضي.
وكشفت الصحيفة أن تقارير محلية تحدثت عن وجود جالية جزائرية تُقدّر بالآلاف في المنطقة، مع مقاهٍ ومطاعم ومخابز ومحلات بقالة أصبحت خلال أيام المونديال أماكن تجمع للمشجعين الجزائريين والعرب والمسلمين وسكان المدينة.
وانتشرت التجمعات في مناطق مختلفة من محيط كانساس سيتي، خصوصاً في الأسواق والمطاعم المتوسطية، حيث التقى الجزائريون بمشجعي كرة القدم وسكان محليين جاءوا لمتابعة الأجواء والاحتفال بالمنتخب الجزائري.
وفي لورنس، ظهر لاعبو منتخب الجزائر في مقاطع مصورة وهم يتجولون داخل منشآت جامعة كانساس، ويجربون بعض الرياضات الأمريكية مثل كرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فقد شارك اللاعبون في تسديد ركلات ميدانية، ورموا الكرات داخل ملاعب الجامعة، وزاروا صالة «ألن فيلدهاوس» الشهيرة، كما خاضوا تجربة ضرب الكرة في ملعب «هوغلاند بولبارك» للبيسبول.
ولم يقتصر الترحيب على الجزائريين أو العرب المقيمين في المنطقة، بل ظهر سكان أمريكيون لا تربطهم علاقة سابقة بالجزائر وهم يعبرون عن إعجابهم بالفريق.
كما نشرت حانة شهيرة في كانساس سيتي تُدعى «جونيز تافرن» مقطع فيديو عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، رحبت فيه بالمنتخب الجزائري في لورنس، بينما ظهر رواد المكان وهم يحملون العلم الجزائري.
وتحمل هذه الحفاوة معنى خاصاً بالنسبة إلى المنتخب الجزائري، الذي يعود إلى كأس العالم بقيادة أسماء بارزة من بينها رياض محرز، أحد أبرز لاعبي كرة القدم في تاريخ الجزائر.
لكن ما جعل قصة لورنس تنتشر بهذا الزخم لم يكن كرة القدم وحدها، بل التناقض بين دفء الاستقبال الشعبي في كانساس، وبين المناخ السياسي والحدودي المتوتر داخل الولايات المتحدة.
وقالت الصحيفة إن كأس العالم 2026 انطلق في ظل قيود هجرة أمريكية مشددة، وخطاب سياسي يصوّر المهاجرين والعرب والمسلمين والأفارقة أحياناً كتهديد أمني.
وقبل البطولة، واجه عدد من المشاركين مشكلات في الدخول، شملت استجوابات طويلة وتعقيدات في التأشيرات ومنع دخول بعض الأفراد.
ومن بين أبرز الحالات الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة على الرغم من حصوله على تأشيرة، ما حرمه من أن يكون أول حكم صومالي يشارك في إدارة مباريات كأس العالم.
كما تعرض المهاجم العراقي أيمن حسين لاستجواب طويل في مطار شيكاغو، بينما مُنع المصور الرسمي للمنتخب العراقي طلال صلاح من الدخول.
ومنع أيضاً رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب من دخول الولايات المتحدة. وأدت هذه الحالات إلى جدل واسع حول التناقض بين شعار كأس العالم كحدث عالمي يجمع الشعوب، وبين القيود المفروضة على بعض الجنسيات.
وفي هذا السياق، اكتسب احتضان مدينة لورنس للمنتخب الجزائري معنى يتجاوز الرياضة، ليصبح رمزاً لتناقضات الصورة الأمريكية بين الانفتاح الشعبي والسياسات الرسمية.
وفي النهاية، تحولت عبارة «روك تشوك الجزائر» إلى رمز غير متوقع في بطولة عالمية، تذكّر بأن كرة القدم قادرة على خلق روابط إنسانية عابرة للقارات، وأن مدينة صغيرة في قلب الولايات المتحدة يمكن أن تمنح منتخباً عربياً أفريقياً استقبالاً استثنائياً.
🇺🇸❤️🇩🇿 « Nous sommes Algériennes dans le cœur » : la réaction d’étudiantes américaines plongées dans l’ambiance des Verts à Lawrence pic.twitter.com/vEgeHIAhsD
— LeLien (@LeLienofficiel) June 14, 2026
قد يعجبك
المغرب في الصدارة.. أفضل قمصان منتخبات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في كأس العالم 2026
منتخب تونس في كأس العالم 2026.. حلم تاريخي يلاحقه «نسور قرطاج» وسط جدل إداري وفني

