وطن-تتجه أنظار الأوساط القانونية والدبلوماسية إلى نيويورك، حيث تستعد الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لعقد جلسة خاصة في 24 يوليو المقبل، للتصويت على إجراءات تأديبية قد تحدد مستقبل المدعي العام للمحكمة كريم خان، في واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المؤسسة القضائية الدولية منذ تأسيسها.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن مصادر دبلوماسية متعددة أكدت أن مكتب جمعية الدول الأطراف، وهي الهيئة الإدارية والسياسية المشرفة على المحكمة الجنائية الدولية، قرر يوم الأربعاء تحديد موعد ومكان الجلسة الخاصة، التي ستتيح للدول الـ125 الأعضاء في المحكمة التصويت على مزاعم سوء السلوك الموجهة إلى خان.
وبحسب ما أورده الموقع، فإن مكتب جمعية الدول الأطراف كان قد قرر في 8 يونيو تعليق عمل كريم خان بأغلبية موصوفة، رغم تجاهله رأياً صادراً عن لجنة قضائية خلصت إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكابه سوء سلوك. ويضع هذا القرار المحكمة أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ تنتقل المسألة الآن إلى تصويت أوسع داخل جمعية الدول الأطراف.
وتعد جمعية الدول الأطراف الجهة المختصة باتخاذ القرار النهائي بشأن ما إذا كانت المزاعم ضد المدعي العام ترقى إلى مستوى سوء السلوك، وما إذا كان ينبغي عزله من منصبه. وسيُطلب من الدول التصويت على أحد ثلاثة خيارات: ارتكاب سوء سلوك جسيم، أو سوء سلوك أقل خطورة، أو عدم وجود سوء سلوك من الأساس.
وكشف “ميدل إيست آي“، استناداً إلى قرار سري اطلع عليه، أن ثلثي أعضاء مكتب الجمعية الحاضرين والمصوتين أوصوا باعتبار الوقائع “سوء سلوك جسيماً”، ما يمهد الطريق أمام تصويت جمعية الدول الأطراف بكامل عضويتها. غير أن الجمعية ستحتاج أولاً إلى تأييد هذا التوصيف، قبل الانتقال إلى تصويت ثانٍ بشأن احتمال عزل خان من منصبه.
ووفق القواعد الحالية لجمعية الدول الأطراف، فإن أي نتيجة تثبت وجود سوء سلوك، أياً كان مستواه، تتطلب موافقة أغلبية الثلثين من الدول الحاضرة والمصوتة في الجلسة. أما في حال تبني الجمعية توصيف “سوء السلوك الجسيم”، فسيجري تصويت منفصل على إقالة المدعي العام، وهو ما يتطلب أغلبية مطلقة من أعضاء الجمعية البالغ عددهم 125 دولة، أي 63 صوتاً.
وتعود القضية إلى مايو 2024، عندما ظهرت مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي، وهي اتهامات نفاها كريم خان بشدة. وقال موقع ميدل إيست آي إن صاحبة الشكوى رفضت التعاون مع جهاز التحقيق الداخلي التابع للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي دفع جمعية الدول الأطراف إلى تكليف تحقيق خارجي تقوده الأمم المتحدة.
وأضاف الموقع أن كلاً من صاحبة الشكوى وكريم خان تعاونا مع التحقيق الأممي، الذي استمر أكثر من عام، وكُلّف خلاله المحققون بجمع الأدلة وتقييمها، تمهيداً لتمكين لجنة من القضاة عيّنها مكتب الجمعية من تقديم رأي قانوني موثوق حول ما إذا كان المدعي العام قد ارتكب سوء سلوك، وفق معيار الإثبات “بما لا يدع مجالاً لشك معقول”.
وفي 11 ديسمبر، قدم محققو الأمم المتحدة تقريراً من 150 صفحة، مرفقاً بنحو 5 آلاف صفحة من الأدلة، إلى اللجنة القضائية المكلفة. وبعد ذلك، أمضى القضاة قرابة ثلاثة أشهر في دراسة تحقيق مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، قبل أن يخلصوا في مارس إلى نتيجة مغايرة تماماً لتوصية مكتب الجمعية.
وبحسب تقرير اطلع عليه “ميدل إيست آي“، فإن اللجنة القضائية خلصت بالإجماع إلى أن الوقائع الواردة في التحقيق الأممي “لا تثبت وجود سوء سلوك أو إخلال بالواجب بموجب الإطار المعمول به”. وقد أثار تجاهل مكتب الجمعية لهذا الرأي القضائي انتقادات من خبراء قانونيين، حذروا من أن ذلك قد يؤدي إلى تسييس إجراءات التحقيق التأديبي داخل المحكمة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تمر فيه المحكمة الجنائية الدولية بحالة غير مسبوقة من الغموض والارتباك المؤسسي، وسط تسريبات إعلامية متكررة بشأن المزاعم الموجهة إلى خان، وعدم وضوح مصيره على رأس مكتب الادعاء. كما تتزامن القضية مع ضغوط سياسية متصاعدة على المحكمة، خصوصاً بسبب ملفات التحقيق المرتبطة بإسرائيل وفلسطين.
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أن المزاعم ضد خان ظهرت بالتوازي مع حملة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها لعرقلة جهود مكتبه في متابعة تحقيقات جرائم الحرب ضد مسؤولين إسرائيليين على خلفية الحرب في غزة. وتزيد هذه الخلفية من حساسية التصويت المرتقب، بالنظر إلى أن مكتب المدعي العام كان قد اتخذ خلال السنوات الماضية خطوات أثارت ردود فعل دولية قوية.
وكريم خان، وهو محامٍ بريطاني، انتخبته جمعية الدول الأطراف في فبراير 2021 مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية، ليصبح ثالث شخص يتولى هذا المنصب منذ تأسيس المحكمة عام 2002. ومنذ توليه مهامه، أشرف مكتبه على تحقيقات في جرائم دولية خطيرة يُشتبه في تورط قادة ومسؤولين من دول عدة فيها.
ومن أبرز الملفات التي تابعها مكتب خان طلبات أو مذكرات توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقادة المجلس العسكري في ميانمار، ومسؤولين من حركة طالبان في أفغانستان. وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي“، فإن هذه التحركات جعلت خان ومكتبه في مواجهة مباشرة مع دول كبرى لا تعترف بولاية المحكمة أو لا تتمتع بعضويتها.
وفي فبراير 2025، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات انتقامية على كريم خان، على خلفية عمله في ملفات المحكمة، كما أصدرت محاكم روسية مذكرة توقيف بحقه بعد محاكمته غيابياً. ورغم أن الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل ليست دولاً أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة تمتلك اختصاصاً بالنظر في الجرائم التي يرتكبها رعايا هذه الدول على أراضي دول أعضاء في نظام روما الأساسي.
ولاحقاً، توسعت العقوبات الأمريكية لتشمل نائبين للمدعي العام، وثمانية من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ممن شاركوا في ملفات فلسطين وأفغانستان، إضافة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، ومنظمات فلسطينية غير حكومية قدمت أدلة إلى المحكمة.
ومن شأن جلسة 24 يوليو في نيويورك أن تشكل نقطة تحول حاسمة في مستقبل كريم خان، وفي صورة المحكمة الجنائية الدولية نفسها، بين من يرى أن الإجراءات التأديبية يجب أن تمضي وفق قواعد المساءلة الداخلية، ومن يحذر من أن تجاهل الرأي القضائي قد يفتح الباب أمام تسييس واحدة من أهم المؤسسات القضائية الدولية.
اقرأ المزيد
تعليق عمل كريم خان “بأثر فوري” بتهمة سوء السلوك.. ودفاعه يتهم القوى السياسية بتجاهل براءته القضائية!
تصفية حسابات أم تسييس مبرمج؟.. النمسا وأوسلو تفتحان النار على محاولات الإطاحة بـ “كريم خان”!
إسرائيل تحتفي بتعليق مهام كريم.. خان وتطالب بإلغاء مذكرات التوقيف

