وطن-في خطوة أثارت اهتمام الأوساط الاقتصادية والمالية، أصدر البنك المركزي المصري قراراً جديداً يمنع البنوك من منح قروض أو تسهيلات ائتمانية تُستخدم في سداد رؤوس أموال الشركات أو تمويل الزيادات الرأسمالية، مؤكداً أن التمويل المصرفي يجب أن يوجَّه إلى الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية الحقيقية بدلاً من استخدامه في عمليات هيكلية أو مالية لا تضيف قيمة مباشرة للاقتصاد.
وعلى الرغم من أن القرار جاء في إطار تنظيم قواعد الائتمان المصرفي، فإنه أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في سوق المال المصري خلال الفترة الماضية، والمتعلقة ببنك أبوظبي الأول مصر وشركة بلتون المالية القابضة.
وكان البنك المركزي المصري قد فرض غرامة مالية على بنك أبوظبي الأول مصر بلغت مليار جنيه، بعدما رأت الجهات الرقابية أن بعض التمويلات الممنوحة لشركة بلتون استُخدمت في غير الأغراض المخصصة لها خلال عمليات مرتبطة بزيادة رأس المال، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول آليات التمويل والرقابة على الصفقات الكبرى داخل السوق المصرية.
وفي سياق متصل، كانت الهيئة العامة للرقابة المالية قد أوقفت في وقت سابق صفقة استحواذ إماراتية على شركة السويدي إلكتريك، بعد ملاحظات تتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص وآليات تنفيذ الصفقة، ما عزز التساؤلات بشأن طبيعة الرقابة المفروضة على الاستثمارات الكبرى في السوق المصرية.
ويشير مراقبون إلى أن الملفين يتقاطعان عند نقطة واحدة تتمثل في وجود شركات ومؤسسات مالية ترتبط في نهاية المطاف بمجموعة استثمارية يقودها الشيخ طحنون بن زايد، الذي يرأس مجلس إدارة بنك أبوظبي الأول.
وبحسب تقرير نشرته منصة «متصدقش»، فإن شركة بلتون وشركة «ساجاس» تتبعان لشركة «رويال جروب» المملوكة لطحنون بن زايد، مشيراً إلى وجود أنشطة متداخلة بين عدد من الشركات التابعة للمجموعة داخل مصر، وما يثار حولها من تساؤلات تتعلق بتضارب المصالح وتكافؤ الفرص.
كما أشار التقرير إلى أن عدداً من الشركات المرتبطة باستثمارات المجموعة الإماراتية يحتل مواقع متقدمة داخل البورصة المصرية. ووفقاً للمنصة، فإن ست شركات من أصل 13 شركة مرتبطة باستثمارات المجموعة ضمن الشركات المدرجة في السوق المصرية تصنف ضمن قائمة أقوى 50 شركة في مصر، بأصول إجمالية تقدر بنحو 27.1 مليار دولار، وتمثل مجتمعة ما يقارب 40% من الوزن النسبي لمؤشر «إي جي إكس 30».
وتشمل هذه الشركات البنك التجاري الدولي، وأبو قير للأسمدة، ومصر لإنتاج الأسمدة، والإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وفوري للمدفوعات المالية، وشركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار «سوديك».
ويرى محللون أن قرار البنك المركزي لا يقتصر على إعادة تنظيم الائتمان المصرفي فحسب، بل يعكس توجهاً رقابياً أكثر صرامة تجاه التمويلات والصفقات الكبرى، خاصة في الحالات التي تتداخل فيها العلاقات بين جهات التمويل والمستفيدين من العمليات الاستثمارية.
وتبرز أهمية هذا الملف في ظل الحضور المتنامي للاستثمارات الإماراتية داخل قطاعات حيوية من الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، بما يشمل البنوك والعقارات والخدمات المالية والطاقة والصناعة.
وبحسب البيانات المالية المتاحة، يُعد بنك أبوظبي الأول ثالث أكبر بنك أجنبي عامل في مصر، بإجمالي أصول بلغت نحو 461 مليار جنيه بعد استحواذه على بنك عودة عام 2021. كما يمتلك شبكة واسعة تضم 72 فرعاً في مختلف أنحاء البلاد.
وتشير نتائج أعمال البنك إلى أن جزءاً مهماً من نشاطه يتركز في الاستثمار بأدوات الدين الحكومية، حيث بلغت استثماراته في أذون الخزانة والسندات الحكومية نحو 160.3 مليار جنيه.
ويطرح القرار الجديد تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات المصرية تتجه نحو مرحلة أكثر تشدداً في الرقابة على السوق والتمويلات الكبرى، أم أنه مجرد إجراء تنظيمي يهدف إلى ضبط استخدام الائتمان المصرفي وتوجيهه نحو الأنشطة الاقتصادية المنتجة، بعيداً عن المضاربات والعمليات المرتبطة بإعادة هيكلة رؤوس الأموال.
وفي ظل تزايد أهمية الاستثمارات الخليجية داخل الاقتصاد المصري، تبقى الأنظار موجهة نحو كيفية موازنة الدولة بين جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز الرقابة على السوق، بما يضمن المنافسة العادلة وحماية الاستقرار المالي.
اقرأ المزيد
صراع الحيتان في البحر الأحمر: شركات محلية وخليجية تترقب اقتناص مشروع القصير السياحي الجديد
زيارة فيصل بن فرحان إلى القاهرة رسالة سعودية حاسمة لمصر في مواجهة سياسات الإمارات
خلف كواليس جولة أبوظبي: هل انزلقت مصر إلى “الفخ الاستراتيجي” بعد ظهور طائراتها في الإمارات؟

