وطن-حذرت الأمم المتحدة من أن سوق المخدرات العالمي دخل مرحلة هي الأكبر والأكثر تنوعاً في تاريخه، مع ارتفاع عدد المتعاطين بنحو الثلث خلال عقد واحد، ووصول إنتاج الكوكايين إلى مستويات قياسية، وظهور عشرات المواد النفسية الجديدة التي يصعب رصدها أو التعامل مع آثارها الصحية.
وقالت صحيفة “بوبليكو” الإسبانية، نقلاً عن وكالة إفي، إن تقرير المخدرات العالمي 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في فيينا، استناداً إلى بيانات عام 2024، يكشف عن توسع غير مسبوق في سوق المخدرات، سواء من حيث حجم الاستهلاك أو تنوع المواد المتداولة، وفي مقدمتها المخدرات الاصطناعية والكوكايين والمواد الأفيونية.
وبحسب ما أوردته وكالة إفي، فإن عدد متعاطي المواد المخدرة حول العالم بلغ في عام 2024 نحو 331 مليون شخص، أي ما يعادل 6.2% من سكان العالم بين 15 و64 عاماً، مقارنة بـ5.2% في عام 2014. ويعني ذلك ارتفاعاً بنسبة 34% خلال عشر سنوات، وهو نمو لا يفسره التزايد السكاني وحده، رغم أن عدد سكان العالم ارتفع بنحو 10% خلال الفترة نفسها.
وأضافت الصحيفة أن الأمم المتحدة ترى في هذا التوسع نتيجة مباشرة لزيادة توافر المخدرات في الأسواق، إلى جانب تحسن قدرة الدول، خصوصاً النامية منها، على جمع البيانات والإبلاغ عن أنماط الاستهلاك والاتجار غير المشروع.
وقالت مونيكا جوما، المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إن العالم شهد “زيادة غير مسبوقة في أنواع جديدة من المخدرات داخل السوق”، محذرة من أن بعض هذه المواد بات “أكثر قوة أو خطورة مما كان عليه في السابق”. وأكدت، وفق ما نقلته إفي، أن هذا التطور يضاعف من الآثار الصحية والاجتماعية المرتبطة بتعاطي المخدرات.
ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن القنب الهندي لا يزال المخدر الأكثر انتشاراً في العالم، إذ بلغ عدد متعاطيه نحو 256 مليون شخص في عام 2024. وتأتي بعده المواد الأفيونية بنحو 63 مليون متعاطٍ، ثم الأمفيتامينات بـ32 مليوناً، والكوكايين بـ25 مليوناً، في حين بلغ عدد متعاطي الإكستاسي والمواد المشابهة نحو 21 مليون شخص.
وكشفت صحيفة “بوبليكو” أن الفئة العمرية الأكثر تعاطياً للمخدرات تتركز بين 15 و34 عاماً، وأن الرجال يشكلون نحو 75% من إجمالي المتعاطين عالمياً. غير أن التقرير الأممي يلفت إلى أن النساء، رغم انخفاض نسبتهن بين المتعاطين، أكثر عرضة للتطور السريع نحو الاعتماد على المخدرات والاضطرابات الحادة المرتبطة بها.
وتسبب المخدرات، بحسب التقرير، ما يقارب نصف مليون وفاة سنوياً في أنحاء العالم. ومع ذلك، لا يحصل على العلاج سوى شخص واحد من كل 12 ممن يعانون من أنماط تعاطٍ إشكالية. وتزداد الفجوة عند النساء، إذ لا تتلقى الرعاية إلا امرأة واحدة من كل 23، ما يكشف عن خلل واضح في الاستجابة الصحية العالمية لمشكلة الإدمان.
وبحسب ما أوردته وكالة إفي، لا يقتصر أثر توسع سوق المخدرات على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الأمن والاستقرار، إذ يؤدي نمو تجارة المخدرات إلى ارتفاع مستويات العنف المرتبط بعصابات التهريب، وتعزيز نفوذ الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وإضعاف المؤسسات، وتغذية الفساد في عدد من المناطق.
وفي ملف الكوكايين، يوضح التقرير أن الإنتاج العالمي بلغ مستوى تاريخياً، متجاوزاً 4 آلاف طن في عام 2024، أي أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عقد واحد. ويرجع ذلك إلى اتساع زراعة أوراق الكوكا، إلى جانب زيادة كفاءة المختبرات المستخدمة في تصنيع الكوكايين.
وقالت صحيفة “بوبليكو” إن توسع سوق الكوكايين انعكس أيضاً على عدد المتعاطين، الذي ارتفع بنسبة 38% ليصل إلى 25 مليون شخص حول العالم. ويتركز الاستهلاك أساساً في الأمريكتين وأوروبا الغربية وأوقيانوسيا، لكنه يشهد نمواً سريعاً في إفريقيا وآسيا.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن شبكات تهريب الكوكايين باتت توسع طرقها باتجاه وجهات جديدة، وتستخدم وسائل نقل أكثر تطوراً، بينها ما يعرف بـالغواصات المخدرة القادرة على عبور المحيط الأطلسي، في مؤشر على مرونة هذه الشبكات وقدرتها على تجاوز إجراءات المكافحة التقليدية.
وفي موازاة ذلك، حذرت الأمم المتحدة من الانتشار السريع للمخدرات الاصطناعية، التي أصبحت تمثل تحولاً خطيراً في السوق غير المشروع. فالشبكات الإجرامية تستطيع تعديل الصيغ الكيميائية بسرعة للالتفاف على الرقابة القانونية، ما أدى إلى ظهور مئات المواد الجديدة خلال سنوات قليلة.
وبحسب بيانات التقرير التي نقلتها وكالة إفي، بلغ عدد المواد النفسية الجديدة المكتشفة 755 مادة، منها 118 مادة تم رصدها لأول مرة في عام 2024، وهو ما يعكس سرعة عمل المختبرات السرية وقدرتها على إنتاج مركبات يصعب التنبؤ بآثارها أو إدراجها فوراً ضمن الجداول المحظورة.
كما نبهت الأمم المتحدة إلى اتساع سوق الميثامفيتامين، الذي تحول إلى مخدر اصطناعي عالمي الانتشار مع انتقال إنتاجه إلى قارات مختلفة. ورغم أن أعلى مستويات الاستهلاك تسجل في آسيا وأمريكا الشمالية، فإن انتشار التصنيع وتعدد طرق التهريب يجعلان من هذه المادة تهديداً متزايداً في مناطق أخرى.
وأبدى التقرير قلقاً خاصاً من انتشار ما وصفه بـ”خلطات المخدرات القاتلة”، وهي تركيبات تباع تحت أسماء خادعة أو تبدو غير مؤذية، لكنها تجمع بين منشطات ومثبطات ومهلوسات من دون أن يعرف المتعاطي حقيقة ما يتناوله. وترفع هذه الخلطات خطر التسمم والوفاة بجرعات زائدة، لأنها تجعل التعامل الطبي مع الحالات الطارئة أكثر تعقيداً.
وقالت كلوي كاربنتييه، المعدة الرئيسية للتقرير، إن المشكلة لا تقف عند جهل المتعاطين بطبيعة المواد التي تناولوها، بل تمتد إلى الطواقم الصحية التي تستقبل حالات الطوارئ ولا تعرف بدقة نوع المواد المستخدمة. وأوضحت، وفق ما نقلته إفي، أن بعض الجرعات الزائدة لا تستجيب للعلاجات التقليدية المضادة، مثل النالوكسون، بسبب طبيعة الخلطات المعقدة.
ومن بين الأمثلة التي أوردها التقرير ما يعرف بـ”الكوكايين الوردي” و”ماء السعادة”، وهي أسماء تسويقية تخفي في كثير من الأحيان تركيبات خطيرة وغير ثابتة. وترى الأمم المتحدة أن هذا النوع من المخدرات يشكل تحدياً طبياً كبيراً، لأن آثاره قد تختلف جذرياً من حالة إلى أخرى.
وفي غرب إفريقيا، أشار التقرير إلى انتشار مخدر رخيص وشديد الإدمان يعرف باسم كوش، ويتكون من قنب صناعي ومواد أفيونية شديدة القوة مثل النيتازينات. وقد دفع تفاقم الوفيات بين الشباب في عام 2024 كلاً من ليبيريا وسيراليون إلى إعلان حالة الطوارئ لمواجهة هذه الأزمة.
وفيما يتعلق بسوق المواد الأفيونية، أوضح تقرير الأمم المتحدة أن العالم يمر بمرحلة انتقالية بعد الانهيار الكبير في إنتاج الأفيون في أفغانستان، نتيجة حظر زراعة الخشخاش الذي فرضته حركة طالبان عام 2022. وأدى ذلك إلى تراجع توافر الهيروين في الأسواق، لكنه فتح الباب أمام بدائل اصطناعية أشد قوة وخطورة، مثل الفنتانيل والنيتازينات.
وبحسب ما خلص إليه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن التحولات الحالية في سوق المخدرات العالمية تجعل المواجهة أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب زيادة عدد المتعاطين، بل أيضاً بسبب سرعة تغير المواد المتداولة، وتطور أساليب التهريب، واتساع نفوذ الشبكات الإجرامية. ويضع ذلك الحكومات والأنظمة الصحية أمام تحدٍ متصاعد يتطلب استجابة أكثر مرونة وسرعة، تجمع بين المكافحة الأمنية، والعلاج، والوقاية، وتبادل المعلومات الدولية.
قد يعجبك

