وطن-تتصاعد في إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة نبرة سياسية وعسكرية حادة تجاه تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، في تحول يعكس قلقاً متنامياً داخل دوائر تل أبيب من الدور التركي في الشرق الأوسط، ومن تمدد نفوذ أنقرة السياسي والعسكري، خصوصاً في سوريا وملفات الإقليم المرتبطة بالحرب على غزة.
وقالت صحيفة “إل إندبيندينتي” إسبانية في تقرير تحليلي إن تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين السابقين والحاليين تكشف عن محاولة متزايدة لتقديم تركيا بوصفها “الخطر الإقليمي الجديد” على إسرائيل، بعد سنوات طويلة ظلّت فيها إيران تحتل موقع الخصم الأول في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي.
ومن أبرز هذه التصريحات ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، حين حذّر من “تهديد تركي جديد” يلوح في الأفق، مضيفاً: “تركيا هي إيران الجديدة. أردوغان خصم متطور وخطير يريد تطويق إسرائيل”. وتعكس كلمات بينيت، بحسب الصحيفة، اتجاهاً متشدداً داخل قطاعات سياسية إسرائيلية ترى في أنقرة منافساً استراتيجياً لا مجرد جار إقليمي مزعج.
ولم يقتصر التصعيد على بينيت وحده، إذ ذهب وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار إلى حد دعوة الحكومة التركية، بصورة استفزازية، إلى مهاجمة إسرائيل، قائلاً إن أنقرة ستلقى المصير نفسه الذي لقيه النظام الإيراني. وتُظهر هذه التصريحات، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، أن فكرة التعامل مع تركيا باعتبارها القوة الإقليمية المنافسة المقبلة بدأت تترسخ في بعض الأوساط الإسرائيلية، بما قد يمهد لخطاب تعبوي يستحضر احتمالات صدام عسكري واسع.
لكن اختزال المشهد في مواجهة ثنائية بين إسرائيل وتركيا لا يعكس، بحسب التقرير، تعقيدات الشرق الأوسط الراهنة. فالمنطقة لم تعد محكومة بمحورين متقابلين فقط، بل باتت ساحة متعددة الأقطاب، تتحرك فيها قوى إقليمية كبرى وفق حسابات متداخلة ومصالح متغيرة.
جذور التوتر بين تركيا وإسرائيل
لفهم سبب هذا التحول في النظرة الإسرائيلية إلى تركيا، لا بد من العودة إلى محطات سابقة في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب. وتنقل الصحيفة عن إدوارد سولير إي ليشا، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برشلونة المستقلة، قوله إن “التوترات ليست جديدة”، وإن نقطة الانكسار الأساسية تعود إلى 27 ديسمبر 2008، مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة المعروفة باسم “الرصاص المصبوب”.
في ذلك الوقت، كان أردوغان يؤدي دور الوسيط في مسار يهدف إلى التوصل لاتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا. لكن إسرائيل شنت هجومها على غزة من دون إبلاغه، رغم أنه كان يتحرك دبلوماسياً على أساس وجود نوايا إسرائيلية للتفاوض. ويشرح سولير أن أردوغان “اكتشف الأمر عبر الصحافة، بعد أيام قليلة من دفاعه عن نوايا إسرائيل، فانهارت الثقة بين الطرفين بالكامل”.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن هذه اللحظة شكلت تحولاً عميقاً في العلاقات التركية الإسرائيلية، إذ لم تعد الخلافات مجرد تباينات سياسية عابرة، بل تحولت إلى أزمة ثقة استراتيجية بين قيادتين كانتا، قبل ذلك، قادرتين على إدارة ملفات حساسة في الإقليم.
ويرى سولير أن المقارنة بين تركيا وإيران تحمل قدراً كبيراً من الخطورة، لأن البلدين مختلفان جذرياً في طبيعة النظام السياسي، وفي موقعهما الدولي، وفي شبكة تحالفاتهما. ويقول إن هذا التشبيه لا يهدف فقط إلى توصيف الواقع، بل إلى “تهيئة الرأي العام لفكرة الصدام”.
الرواية الإسرائيلية.. بين التهويل والحسابات الأمنية
في المقابل، يواصل الخطاب السياسي الإسرائيلي تقديم تركيا باعتبارها تهديداً متنامياً، خصوصاً في ظل مواقف أردوغان الحادة من الحرب على غزة، وانتقاداته المتكررة للحكومة الإسرائيلية. غير أن مراكز الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية والغربية تقدم، بحسب الصحيفة الإسبانية، قراءة أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي المباشر.
ففي تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “INSS”، أقرّ المعهد بأن فكرة تشبيه تركيا بإيران أصبحت شائعة داخل إسرائيل. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أنقرة ليست طهران. فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ولديها روابط اقتصادية وتجارية واسعة مع الغرب، كما أنها تمتلك علاقات دولية لا يمكن تجاهلها.
ويشير التقرير الإسرائيلي إلى أن مصدر القلق من تركيا لا يرتبط فقط بالخطاب السياسي المناهض لإسرائيل، بل بقوتها العسكرية، وانتشارها في شمال سوريا، وقدرتها على ممارسة ضغوط دبلوماسية واسعة ضد حكومة تل أبيب. وهذه العوامل تجعل التعامل مع أنقرة مختلفاً تماماً عن التعامل مع إيران، التي تعاني عزلة دولية أعمق.
وأضافت الصحيفة أن خبراء في مؤسسة “بروكينغز” الأميركية يذهبون إلى أن مواجهة دولة بحجم تركيا، وبما تملكه من اقتصاد متماسك نسبياً وتحالفات دولية واسعة، قد تكون على المدى الطويل أكثر تعقيداً بالنسبة لإسرائيل من مواجهة إيران، رغم العداء العلني بين تل أبيب وطهران.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
وسط هذه الحسابات، تبدو المنطقة أبعد ما تكون عن مشهد بسيط يقوم على معسكرين متقابلين. وينقل التقرير عن إدوارد سولير قوله إن الشرق الأوسط لا يزال “متعدد الأقطاب” إلى حد كبير، حيث تتحرك كل دولة وفق مصالحها الاستراتيجية وليس وفق اصطفافات ثابتة.
وتنظر تركيا، بحسب سولير، إلى المنطقة من زاوية “التكافؤ البنيوي”، أي أنها ترفض فكرة هيمنة دولة واحدة بشكل كامل على محيطها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، تسعى أنقرة إلى تثبيت حضورها كقوة مركزية قادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي والإيراني والعربي في آن واحد.
وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة تقارباً دبلوماسياً واضحاً بين تركيا والسعودية بعد مرحلة من القطيعة والتوتر، خصوصاً عقب ملفات إقليمية شائكة. في المقابل، تلعب الإمارات العربية المتحدة دوراً أكثر استقلالية، إذ عززت تقاربها الاستراتيجي مع إسرائيل، وابتعدت في بعض الملفات عن الخطوط التقليدية للسياسة السعودية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن هذه التحركات تكشف أن خريطة التحالفات في الشرق الأوسط لم تعد ثابتة كما كانت، وأن الدول الإقليمية باتت تعيد تموضعها وفق مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية متغيرة، لا وفق منطق المحاور القديمة فقط.
إيران لم تخرج من المعادلة
وعلى الرغم من تصاعد الحديث الإسرائيلي عن تركيا بوصفها “إيران الجديدة”، فإن إيران نفسها لم تختفِ من المشهد. فحتى بعد الأضرار التي تعرضت لها جراء الهجوم المشترك الذي نُسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تزال طهران تمتلك قدرة كبيرة على الصمود والمناورة، سواء عبر أدواتها الإقليمية أو عبر بنيتها الداخلية.
وترى الصحيفة أن اعتبار النظام الإيراني “منتهياً” سيكون خطأً استراتيجياً كبيراً، لأن إيران ما زالت لاعباً رئيسياً في معادلات الأمن الإقليمي. وهذا العامل تحديداً يحدّ، ولو جزئياً، من احتمالات اندلاع مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل، لأن تل أبيب لا تستطيع تجاهل تعدد الجبهات وتعقيد البيئة المحيطة بها.
وختاماً، فإن تصاعد الخطاب الإسرائيلي ضد تركيا يعكس قلقاً حقيقياً من تحولات القوة في الشرق الأوسط، لكنه لا يعني بالضرورة أن الصدام العسكري بات وشيكاً. فأنقرة، بما تمتلكه من عضوية في الناتو، وحضور عسكري في سوريا، وشبكة علاقات اقتصادية مع الغرب، تمثل تحدياً مختلفاً عن إيران، وأكثر تعقيداً في حسابات تل أبيب.
وبين خطاب سياسي إسرائيلي يرفع سقف التحذير، وواقع إقليمي متعدد الأقطاب يفرض حسابات دقيقة، تبقى العلاقات التركية الإسرائيلية مرشحة لمزيد من التوتر، لكن ضمن مشهد لا تحكمه الشعارات وحدها، بل توازنات القوة والمصالح والتحالفات المتغيرة في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً
تصعيد غير مسبوق.. نائب إسرائيلي يصف تركيا بـ«الدولة المعادية» وأردوغان في مرمى الهجوم
تسريبات تامير هيمان: كيف أحبطت تركيا أخطر خطة أمريكية إسرائيلية لتقسيم إيران؟
أكراد تركيا يصدمون نتنياهو: رفض قاطع لـ “المخططات الإسرائيلية” لإشعال تمرد في إيران

