وطن-قد يعتقد كثيرون أن تسجيل العاصمة الفرنسية باريس 44 درجة مئوية لا يُعد رقماً استثنائياً مقارنة بدرجات حرارة تتجاوز 50 درجة في بعض دول الخليج أو شمال أفريقيا، لكن خبراء المناخ يؤكدون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم وحده، بل في قدرة المدن والسكان والبنية التحتية على التكيف مع درجات حرارة غير معتادة.
وتعيش أوروبا اليوم واحدة من أعنف موجات الحر في تاريخها الحديث، بعدما تحولت القارة المعروفة بمناخها المعتدل إلى مسرح لدرجات حرارة قياسية، دفعت السلطات في عدة دول إلى إعلان حالة التأهب، فيما تكافح المستشفيات لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين بالإجهاد الحراري.
ألف وفاة إضافية في فرنسا
أعلنت السلطات الصحية الفرنسية تسجيل نحو ألف وفاة إضافية خلال أيام قليلة مقارنة بالمعدلات الطبيعية، معظمها بين كبار السن، مع ارتفاع الوفيات داخل المنازل بنسبة بلغت نحو 40%.
ولم تتوقف آثار موجة الحر عند هذا الحد، إذ سجلت أيضاً عشرات حالات الغرق لأشخاص حاولوا الهروب من درجات الحرارة المرتفعة بالتوجه إلى الأنهار والبحيرات والشواطئ.
وأمام هذا الوضع، فعّلت المستشفيات الفرنسية خطط الطوارئ، واستدعت طواقم طبية من إجازاتها، كما أُجلت العمليات الجراحية غير العاجلة لإفساح المجال أمام استقبال الأعداد المتزايدة من المرضى.
حتى المفاعلات النووية تأثرت
وامتدت تداعيات موجة الحر إلى قطاع الطاقة، بعدما اضطرت السلطات إلى إيقاف عدد من المفاعلات النووية بصورة مؤقتة، ليس بسبب أعطال فنية، وإنما نتيجة ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في عمليات التبريد إلى مستويات تجاوزت الحدود البيئية المسموح بها.
ويعكس هذا التطور حجم الضغوط التي تفرضها درجات الحرارة المرتفعة حتى على البنية التحتية الحيوية في أوروبا.
ألمانيا ودول أخرى في حالة تأهب
وفي ألمانيا، اقتربت درجات الحرارة من 42 درجة مئوية بعد تسجيل أرقام قياسية جديدة، فيما حذر خبراء الأرصاد الجوية من احتمال تعرض البلاد لعواصف عنيفة فور انتهاء موجة الحر نتيجة الاضطرابات الجوية المصاحبة لها.
كما رفعت كل من إيطاليا وسويسرا والنمسا والمجر درجات التأهب إلى أعلى مستوياتها، بعد تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة في عدد من المناطق.
وسجلت عدة دول أوروبية مستويات حرارية تعد الأعلى منذ بدء تسجيل بيانات المناخ قبل أكثر من قرن، في مؤشر جديد على التحولات المناخية المتسارعة التي تشهدها القارة.
التغير المناخي يغير وجه أوروبا
ويرى العلماء أن ما تشهده أوروبا لا يمثل مجرد صيف شديد الحرارة، بل يعكس واقعاً مناخياً جديداً أصبحت فيه موجات الحر أكثر تكراراً، وأكثر شدة، وأطول زمناً، نتيجة ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي واستمرار ظاهرة التغير المناخي.
ويؤكد خبراء المناخ أن التحدي الأكبر لا يتمثل في ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل في مدى قدرة المدن، وشبكات الرعاية الصحية، والبنية التحتية، وحتى جسم الإنسان، على التكيف مع عالم يزداد سخونة عاماً بعد عام.
اقرأ المزيد
شبح كارثة 2003 يعود لباريس.. كيف حصدت “الحرارة التراكمية” أرواح المئات في منازلهم؟

