وطن-أثار هدم ما يُعرف بـ«السجن الأسود» في مدينة العيون بالصحراء الغربية موجة تنديد واسعة في الأوساط الحقوقية الصحراوية، بعدما اعتبرت منظمات محلية أن السلطات المغربية تسعى إلى إزالة أحد أبرز الشواهد المادية على عقود من الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون الصحراويون داخل هذا المركز الذي ارتبط اسمه، وفق شهادات حقوقية، بالتعذيب وسوء المعاملة.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن السجن، الذي ظل لعقود رمزاً للقمع في الصحراء الغربية، لم يعد قائماً سوى في ذاكرة ضحاياه وعائلاتهم، بعدما أكدت وكالة «إكيب ميديا» العاملة في الأراضي الصحراوية أن السلطات المغربية أزالت منشآته بالكامل تقريباً، ولم يتبقَّ في الموقع سوى الركام.
وفاة معتقل داخل السجن
وتستعرض الصحيفة قصة المعتقل الصحراوي بوسيتة محمد بركة، الذي توفي في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 داخل السجن، بعد أسبوعين فقط من دخوله لتنفيذ حكم بالسجن لمدة ثمانية أشهر.
وبحسب التقرير، كان بركة، البالغ من العمر 35 عاماً، قد أبلغ أفراد أسرته مراراً بتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد حراس السجن. وعندما تسلمت العائلة جثمانه، قالت إنها لاحظت آثاراً واضحة للتعذيب على جسده.
رمز للانتهاكات في الصحراء الغربية
يقع «السجن الأسود» في مدينة العيون، وتحول على مدى سنوات طويلة إلى رمز للاكتظاظ والتعذيب والانتهاكات داخل المنظومة السجنية المغربية، وفق شهادات حقوقية أوردتها الصحيفة.
ومن بين أبرز من مروا بالسجن الناشطة الصحراوية أمينتو حيدر، التي عُرفت عالمياً بعد إضرابها عن الطعام عام 2009 في مطار لانزاروت الإسباني.
وأضاف التقرير أن صوراً نادرة هُربت من داخل السجن أظهرت أوضاعاً قاسية، حيث كان المعتقلون يعيشون في غرف مكتظة تتجاوز طاقتها الاستيعابية بكثير.
ووفق دراسة أعدتها جمعية عائلات السجناء والمختفين الصحراويين «أفابريديسا» عام 2002، كان السجن يضم 554 نزيلاً، رغم أن سعته الأصلية لا تتجاوز 200 شخص.
وترى منظمات صحراوية أن هدم المبنى لا يمثل إزالة منشأة قديمة فحسب، بل محاولة لمحو ذاكرة جماعية مرتبطة بسنوات من الانتهاكات.
شهادات عن التعذيب
وكشفت “إل إندبندينتي” أن تقريراً أُعد بتكليف من المجلس العام للمحاماة الإسبانية، ضمن مهمة لمراقبة محاكمات معتقلين سياسيين صحراويين، وثق شهادة أحد السجناء الذي وصف حالته الصحية بأنها متدهورة للغاية.
وأشار التقرير إلى أن المعتقل كان يعاني صعوبة في المشي، وكانت في قدمه جروح نازفة، قال إنها ناجمة عن التعذيب الذي تعرض له داخل السجن.
وبحسب الصحيفة، ظل السجن طوال سنوات شاهداً على ما تصفه منظمات حقوقية بانتهاكات جسيمة، قبل أن تفتتح السلطات المغربية عام 2023 مؤسسة سجنية جديدة في مدينة العيون، وتنقل إليها النزلاء.
وقالت منظمة تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان «كوديسا» إن عملية الهدم تمثل «هجوماً مباشراً على الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي»، معتبرة أنها تندرج ضمن سياسة تستهدف إزالة المعالم التاريخية والثقافية والرمزية المرتبطة بالصحراويين.
تاريخ يمتد إلى الحقبة الإسبانية
وأوضحت المنظمة، بحسب الصحيفة، أن المبنى استُخدم أيضاً خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية كمركز احتجاز، وشهد حالات اختفاء قسري لا يزال مصير أصحابها مجهولاً.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة محمد سيدي إبراهيم بصيري، أحد رموز الحركة الوطنية الصحراوية، الذي اختفى بعد اعتقاله من قبل سلطات نظام فرانكو الإسباني.
وبعد انسحاب إسبانيا عام 1976، انتقلت إدارة السجن إلى السلطات المغربية.
وأشارت الصحيفة إلى أن قضية وفاة بوسيتة محمد بركة أصبحت مثالاً على ما تصفه بالإفلات من العقاب، إذ أُدين ثلاثة من رفاقه في الزنزانة، بينما بُرئ موظفو السجن من أي مسؤولية، رغم شهادات العائلة بشأن تعرضه للتعذيب.
وأكدت «كوديسا» أن إزالة السجن تمثل محاولة لإخفاء ما وصفته بأنه «شاهد حي على الاختفاء القسري والاعتقالات التعسفية والتعذيب الممنهج» بحق المدافعين عن حق تقرير المصير.
وأضافت المنظمة أن «تدمير أماكن الذاكرة لا يمحو الحقيقة، بل يعزز أهمية الحفاظ عليها وتوثيقها وضمان حق الضحايا والأجيال المقبلة في معرفة ما جرى».
تقارير تتحدث عن استمرار الانتهاكات
وأشارت “إل إندبندينتي” إلى أن الجدل حول هدم «السجن الأسود» يأتي بالتزامن مع تقارير حقوقية تتحدث عن استمرار الانتهاكات بحق المعتقلين الصحراويين داخل السجون المغربية.
فقد وثقت مجموعة العمل المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة من الصحراء الغربية 170 حالة انتهاك خلال عام 2025، بزيادة بلغت 70% مقارنة بالعام السابق، وفق التقرير الذي عُرض أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.
وأضاف التقرير أن نحو ربع الانتهاكات الموثقة وقعت داخل المؤسسات السجنية المغربية، مشيراً إلى استمرار الاكتظاظ وسوء المعاملة والإهانات ذات الطابع العنصري، إضافة إلى الحرمان من الزيارات العائلية وتردي ظروف الاحتجاز.
كما شهدت الأشهر الأخيرة إضرابات عن الطعام نفذها عدد من المعتقلين الصحراويين، من بينهم أفراد مجموعة «أكديم إزيك».
ومن أبرزهم المعتقل محمد الأمين هدي، الذي بدأ إضراباً عن الطعام في 24 يونيو/حزيران احتجاجاً، بحسب مؤيديه، على ما وصفه بسوء المعاملة والتهديدات داخل سجن تيفلت 2 شرق الرباط.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المغربية أن نقل السجناء إلى منشآت حديثة يأتي في إطار تحديث البنية السجنية وتحسين ظروف الاحتجاز، بينما ترى المنظمات الصحراوية أن هدم «السجن الأسود» لن ينهي المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتبطت بتاريخ هذا السجن.
اقرأ المزيد
اليوتيوبر المغربي ابن نسناس في السجن بعد فيديو أكل كلب ضال أثار غضب جمعيات الرفق بالحيوان
تحذيرات اجتماعية من العلاقات الإلكترونية.. كيف تحول حلم زواج فتاة مغربية في الصين إلى كابوس مرعب؟

