وطن-تشهد إسرائيل خلال العامين الأخيرين تحولاً ديموغرافياً لافتاً، مع ارتفاع معدلات الهجرة إلى الخارج وتراجع الهجرة الوافدة، في مؤشر يعكس اتساع القلق داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن مستقبل الدولة بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب المستمرة في غزة وتداعياتها السياسية والأمنية.
وقالت القناة 12 الإسرائيلية، وهي أكثر القنوات التجارية مشاهدة في إسرائيل، إن بيانات مؤسسة التأمين الوطني أظهرت أن أكثر من 82 ألف إسرائيلي خرجوا من سجل المقيمين خلال عامي 2024 و2025، بعدما لم يعودوا يُصنّفون قانونياً كمقيمين داخل البلاد.
وبحسب ما أوردته القناة 12، يحدث ذلك في حالتين أساسيتين: إما عندما يمكث الشخص خارج إسرائيل لأكثر من خمس سنوات، أو عندما ينهي إقامته رسمياً، بما يعني أنه لا يعتزم العودة للعيش في البلاد. وتكشف هذه الأرقام، وفق التقرير، أن إسرائيل تواجه للمرة الأولى في تاريخها واقعاً تتجاوز فيه الهجرة إلى الخارج أعداد القادمين إليها.
ولا تقتصر الدلالة على الأرقام وحدها، إذ تشير البيانات إلى أن عشرات الآلاف ممن غادروا إسرائيل في البداية على أساس إقامة مؤقتة في الخارج، قرروا لاحقاً الاستقرار بشكل دائم خارج البلاد، في تحول يعكس أزمة ثقة عميقة في المستقبل السياسي والأمني والاقتصادي للدولة.
وفي السياق نفسه، قالت صحيفة “غلوبس” الاقتصادية الإسرائيلية، وهي من أبرز الصحف المالية في إسرائيل، إن البلاد باتت تحتل المرتبة الثامنة عالمياً في عدد طلبات الحصول على جوازات سفر وجنسيات أجنبية. ويأتي ذلك استمراراً لاتجاه برز خلال السنوات الماضية، بعدما كانت إسرائيل في المرتبة العاشرة عام 2023، ما يعني أن فكرة البحث عن “خطة بديلة” أو ملاذ احتياطي خارج البلاد تزداد زخماً بين الإسرائيليين.
وأضافت صحيفة “غلوبس” أن الإقبال على الجنسيات الأجنبية لم يعد محصوراً بفئات محدودة، بل بات يعبر عن شعور متنامٍ لدى كثير من الإسرائيليين بالحاجة إلى دولة أخرى يمكن الاعتماد عليها إذا ساءت الأوضاع داخلياً. ويربط باحثون اجتماعيون هذه الظاهرة بعدة عوامل، في مقدمتها القلق العميق من مستقبل إسرائيل بعد هجوم 7 أكتوبر.
ونقلت الصحيفة عن إسرائيلي لم تذكر اسمه أنه تقدّم بطلب للحصول على الجنسية الألمانية بعد أحداث 7 أكتوبر، موضحاً أن الهجوم الذي قادته حركة حماس، وما تبعه من احتجاز رهائن وحرب واسعة، أقنعه بأن عائلته تحتاج إلى دولة أخرى تدافع عن مصالحها عند الضرورة.
وبحسب ما أوردته “غلوبس”، يعكس هذا الموقف شعوراً واسعاً لدى قطاعات من الإسرائيليين بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة تخلّيا عن الرهائن في غزة لأسباب سياسية. ويستند هذا الانطباع، وفق التقرير، إلى أن عدداً من الرهائن الإسرائيليين الذين يحملون جنسيات أجنبية أُفرج عنهم بعد تدخل حكومات تلك الدول والتفاوض مع حماس.
وتشير التقديرات المتداولة في إسرائيل إلى أن نحو نصف مليون إسرائيلي يحملون جواز سفر أوروبياً، بينما يمتلك عدد مماثل، أو يحق له الحصول على، جواز سفر أمريكي أو روسي. وتُظهر هذه الأرقام أن امتلاك جنسية ثانية لم يعد مجرد امتياز اجتماعي أو اقتصادي، بل أصبح بالنسبة لكثيرين وسيلة أمان في ظل حالة عدم اليقين.
وتحتل قضايا الديموغرافيا والأمن مكانة مركزية في الوعي الإسرائيلي العام؛ فالجيش، وفق استطلاعات الرأي، لا يزال المؤسسة الأكثر ثقة داخل إسرائيل. وفي الوقت نفسه، يتساوى عدد الفلسطينيين، سواء المواطنين داخل إسرائيل أو المقيمين تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع عدد اليهود في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ولعقود طويلة، حذرت الحكومات ووسائل الإعلام الإسرائيلية من احتمال أن يصبح اليهود أقلية داخل الإقليم الذي تسيطر عليه إسرائيل. وقد انعكس هذا الهوس الديموغرافي حتى في الأعمال الساخرة، إذ قدّم البرنامج الكوميدي الإسرائيلي الشهير “إنها بلاد رائعة” عدة مشاهد تتناول هذه المخاوف، من بينها مشهد حديث يجمع إسرائيلياً وأمريكية يهودية في مطار بن غوريون؛ الأول يغادر بحثاً عن مستقبل أفضل في الخارج، والثانية تنتقل إلى إسرائيل خوفاً من تصاعد معاداة السامية في الولايات المتحدة.
غير أن العامل الأمني يبدو الأكثر تأثيراً بعد 7 أكتوبر. ففشل الحكومة الإسرائيلية في حماية مواطنيها من الهجوم شكّل صدمة وطنية عميقة، جعلت كثيرين يشعرون بأنهم لم يعودوا آمنين داخل بلادهم. وزاد من هذا الشعور إخفاق نتنياهو في تحقيق ما وصفه مراراً بـ”النصر الكامل” على حماس في غزة، وعلى حزب الله في لبنان، وعلى النظام الإيراني.
وترى تقارير إسرائيلية أن هذا الإحساس بانعدام الأمان تزامن مع مخاوف سياسية داخلية، خصوصاً في ظل استمرار الحكومة اليمينية المتطرفة في محاولاتها لإضعاف المجتمع المدني وتقويض استقلال القضاء، وهو المؤسسة التي تُعد عملياً أحد أبرز القيود على سلطة رئيس الوزراء. وقد دفع هذا المزيج من الحرب والانقسام السياسي والقلق من تراجع الديمقراطية كثيراً من الإسرائيليين، خصوصاً من الطبقة الليبرالية المتعلمة، إلى فقدان الثقة بمستقبل البلاد.
وقبل هجوم 7 أكتوبر، كان الجدل الأساسي داخل المعارضة الليبرالية يدور حول خطة حكومة نتنياهو لإنهاء استقلال القضاء. وفي تلك الفترة، برز اتجاه بين بعض الإسرائيليين نحو ما يُعرف بـ”الانتقال المؤقت” أو “الريلوكيشن”، خصوصاً بين العاملين في شركات التكنولوجيا أو من يستطيعون العمل عن بُعد بنمط الرحالة الرقميين.
كان كثيرون يقولون إنهم سيجربون العيش خارج إسرائيل لمدة عام أو عامين، مع ترك باب العودة مفتوحاً عندما يبلغ أطفالهم سن الدراسة. لكن المؤشرات الحالية، بحسب ما تعكسه بيانات الهجرة، توحي بأن عدداً كبيراً من هؤلاء قرروا عدم العودة.
وتدرك الطبقة الليبرالية المتعلمة في إسرائيل أن بلادها تواجه عزلة متزايدة على الساحة الدولية. ورغم أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين يرفضون خلاصات هيئات دولية مثل الأمم المتحدة التي تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، فإنهم يدركون في الوقت نفسه تبعات تراجع مكانة إسرائيل عالمياً وتزايد عزلتها السياسية والأكاديمية والاقتصادية.
وتدور المخاوف بشكل خاص حول مستقبل الأبناء. فهناك من كانوا يؤكدون في السابق أنهم لن يغادروا إسرائيل أبداً، ليس بالضرورة بدافع وطني، بل لأن العيش في المنفى بعيداً عن العائلة والأصدقاء واللغة والبيئة المألوفة يبدو بالغ الصعوبة. لكن كثيرين غيّروا مواقفهم بعد الحرب والأزمة السياسية الداخلية. في المقابل، يقول آخرون إنهم لا يملكون خيار المغادرة، لكنهم باتوا يربّون أبناءهم على البحث عن حياة وفرص خارج إسرائيل.
ولسنوات طويلة، كان الإسرائيليون يجتمعون حول قناعة أساسية مفادها أن الدولة، مهما كانت الظروف، قادرة على حمايتهم. إلا أن هذه القناعة تراجعت بقوة بعد 7 أكتوبر وما تبعه من حرب طويلة وانقسامات سياسية حادة. وتكشف أرقام الهجرة وطلبات الجنسيات الأجنبية أن فقدان الثقة لم يعد مجرد شعور فردي، بل بات ظاهرة اجتماعية قابلة للقياس داخل إسرائيل.
قد يعجبك
المقامرة الأخيرة: نتنياهو يحول “ضم الضفة الغربية” إلى وقود لمعركة بقائه السياسي ومنع سقوط حكومته!
استطلاع إسرائيلي: 92% يرون أن إيران انتصرت في الحرب ونتنياهو فشل في تحقيق أهدافه..
هل يقترب سقوط نتنياهو؟ سيناريو الاعتزال والخروج الآمن يهز إسرائيل لأول مرة منذ عقود

