وطن-في مشهد كان يصعب تصوره قبل سنوات، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في قصر الشعب بدمشق، في زيارة حملت أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتأتي في وقت تسعى فيه سوريا إلى جذب المستثمرين للمشاركة في إعادة إعمار البلاد بعد سنوات من الحرب.
وبحسب ما أورده موقع “بيليونيرز أفريكا”، فإن زيارة ساويرس لا تبدو مجرد لقاء رسمي، بل تعكس اهتماماً بإحياء ملفات اقتصادية قديمة تعود إلى فترة حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وفي مقدمتها استثماراته السابقة في قطاع الاتصالات السوري، والتي انتهت بنزاع مع رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الأسد.
اهتمام بملفات الإعمار والبنية التحتية
عقب لقائه الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، توجّه ساويرس إلى وزارة الأشغال العامة والإسكان، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على اهتمام مباشر بملفات إعادة الإعمار ومشروعات البنية التحتية.
ويُعد ساويرس أحد أبرز رجال الأعمال في المنطقة، وتمتلك عائلته استثمارات واسعة في قطاعات الاتصالات والإنشاءات والعقارات والخدمات، ما يمنح زيارته أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين الذين يراقبون مستقبل الاقتصاد السوري.
نزاع قديم مع رامي مخلوف
وتعيد الزيارة إلى الواجهة تجربة ساويرس في سوريا قبل نحو 25 عاماً، عندما دخلت شركة أوراسكوم للاتصالات السوق السورية خلال مرحلة الانفتاح الاقتصادي المحدود في عهد بشار الأسد.
وحصلت الشركة آنذاك على حصة تبلغ 25 بالمئة في شركة سيريتل، التي كان يسيطر عليها رامي مخلوف، أحد أبرز رجال الأعمال في النظام السابق وصاحب نفوذ واسع في قطاعات الاتصالات والعقارات والمصارف والسياحة.
وبحسب رواية ساويرس، فإن الشراكة تحولت سريعاً إلى نزاع قانوني، إذ أكد في مناسبات عدة أنه اضطر للدخول في شراكة مع مخلوف للحصول على الترخيص، قبل أن تتعرض أصول شركته للتجميد ويُستبعد من المشروع.
فرصة لتسوية ملفات الماضي
ورأت الباحثة والكاتبة ريم علاف، مؤلفة كتاب “بدأ الأمر في دمشق: كيف أعادت الثورة السورية الطويلة تشكيل عالمنا”، أن ساويرس قد يحظى هذه المرة بظروف أفضل من تلك التي واجهها قبل ربع قرن.
كما اعتبر الكاتب مفونوبونغ نسيهي، في موقع بيليونيرز أفريكا، أن زيارة ساويرس توحي بإمكانية إعادة فتح ملفات اقتصادية لم تُحل منذ سنوات، مؤكداً أن رجل الأعمال المصري “لا يسافر إلى دمشق من أجل صورة تذكارية فقط”.
دمشق تراهن على الاستثمار
منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة في ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام بشار الأسد، تعمل الحكومة السورية الجديدة على استقطاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية للمساهمة في إعادة إعمار البلاد، التي تعرضت لدمار واسع خلال سنوات الحرب.
وتطرح دمشق نفسها باعتبارها واحدة من أكبر فرص الاستثمار في المنطقة، خصوصاً في قطاعات الإسكان والطاقة والاتصالات والطرق والبنية التحتية، إلا أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر في انتظار استقرار البيئة السياسية والقانونية.
العقوبات لا تزال تحدياً رئيسياً
وعلى الرغم من الانفتاح السياسي النسبي، لا تزال سوريا تواجه عقبات كبيرة، أبرزها استمرار إدراجها ضمن قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وهو ما يعرقل تدفق الاستثمارات الأجنبية ويحد من قدرة الشركات والمصارف العالمية على العمل داخل البلاد.
ويعتبر مراقبون أن رفع هذا التصنيف سيمثل خطوة أساسية لتهيئة مناخ الاستثمار وإعادة دمج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية.
تحديات العدالة والاستقرار
ولا يقتصر التحدي على الاقتصاد، إذ لا تزال الحكومة السورية تواجه ملفات معقدة تتعلق بالعدالة الانتقالية والمحاسبة، وسط مطالبات من ضحايا الحرب بالإسراع في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
كما شهدت بعض المناطق السورية خلال الأشهر الماضية أعمال عنف، ما يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية وصعوبة تثبيت الاستقرار بشكل كامل.
أولوية للشركات المصرية
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أبلغ وفداً من رجال الأعمال المصريين، خلال زيارة إلى دمشق في يناير الماضي، أن الشركات المصرية ستكون في مقدمة الجهات المشاركة في جهود إعادة الإعمار.
ووصف الشرع المرحلة الحالية بأنها تمثل فرصة للاستثمار إلى جانب كونها مرحلة تعافٍ اقتصادي، في رسالة هدفت إلى تشجيع المستثمرين المصريين على دخول السوق السورية مبكراً.
تحركات استثمارية عربية
وخلال الأشهر الأخيرة، استقبلت دمشق عدداً من رجال الأعمال والوفود الاقتصادية، من بينهم رجل الأعمال المصري حسن علام، إضافة إلى مستثمرين من الإمارات وتركيا أبدوا اهتماماً بمشروعات البنية التحتية والإعمار. إلا أن معظم هذه التحركات لا تزال في إطار الدراسات الأولية وبناء العلاقات، ولم تتحول بعد إلى استثمارات واسعة النطاق.
تقارب مصري سوري حذر
وتعكس زيارة ساويرس أيضاً تطوراً تدريجياً في العلاقات بين القاهرة ودمشق، بعدما تعاملت مصر بحذر مع المرحلة السياسية الجديدة في سوريا بسبب مخاوف مرتبطة بخلفية القيادة الجديدة.
وكانت القاهرة قد رفضت، في وقت سابق، اعتماد المرشح السوري محمد طه الأحمد سفيراً لدى مصر، على خلفية مخاوف تتعلق بانتمائه السابق إلى هيئة تحرير الشام.
ويرى مراقبون أن دولاً عربية، بينها السعودية والإمارات، بدأت بدورها في تعزيز اتصالاتها مع دمشق، مدفوعة باعتبارات تتعلق بالاستقرار الإقليمي والفرص الاقتصادية.
ساويرس يعلّق على أحمد الشرع
وفي تعليق عبر منصة “إكس”، سُئل ساويرس عن أوجه الشبه بين أحمد الشرع والرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، فأجاب بأنه “لا يمكن المقارنة بينهما”، مضيفاً أن الشرع “درس أخطاءه بالتفصيل، وكذلك أخطاء ثورات الربيع العربي”.
ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة، نظراً إلى أن ساويرس يُعرف منذ سنوات بمواقفه المنتقدة للإسلام السياسي في مصر.
اختبار لبيئة الاستثمار الجديدة
ويرى محللون أن دمشق لا تسعى فقط إلى جذب التمويل، بل أيضاً إلى بناء ثقة المستثمرين العرب والأجانب وإقناعهم بأن بيئة الاستثمار تغيرت بعد رحيل النظام السابق.
وأشار موقع “بيليونيرز أفريكا” إلى أن لقاء ساويرس مع أحمد الشرع يمثل اختباراً لقدرة الحكومة الجديدة على طي ملفات الماضي، وتسوية النزاعات القديمة، وخلق بيئة استثمارية أكثر شفافية.
وفي المقابل، تبقى قدرة سوريا على اجتذاب رؤوس الأموال مرتبطة بمدى نجاحها في معالجة المشكلات البنيوية التي عانى منها الاقتصاد لعقود، وعلى رأسها الفساد، والاحتكار، وضعف استقلال القضاء، وهي ملفات ستحدد ما إذا كانت موجة التفاؤل الحالية ستتحول إلى استثمارات فعلية على أرض الواقع.
اقرأ أيضاً
رجل ترامب القوي في الشرق الأوسط.. لماذا دمج البيت الأبيض ملفي سوريا والعراق تحت قيادة توم باراك؟
الرئيس أحمد الشرع يزور دير الزور: الحصيلة الكاملة لفيضانات الفرات والجهود الرسمية لإغاثة 2400 أسرة
رسائل قصر الشعب.. لماذا يقلق الرئيس السوري “أحمد الشرع” من محادثات “نواف سلام” مع إسرائيل؟

