وطن-كشف تحقيق صحفي واستخباراتي جديد عن وجود معسكرات تدريب داخل الأراضي الليبية لعناصر من قوات الدعم السريع السودانية، في تطور يعيد تسليط الضوء على مسارات الدعم الخارجي للحرب في السودان، رغم استمرار الإمارات في نفي تقديم أي دعم عسكري أو مالي لأي من أطراف النزاع.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن مصادر سودانية ومصرية وليبية تحدثت عن تحول في طبيعة الدعم الذي يصل إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا، مشيرة إلى وجود معسكرات عسكرية تُستخدم لتدريب المقاتلين على أسلحة ومعدات يُعتقد أنها وصلت عبر شبكات مرتبطة بالإمارات وقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا.
تحقيق دولي يرصد معسكرات تدريب
وأوضح التقرير أن التحقيق، الذي شاركت فيه مؤسسات لايتهاوس ريبورتس وسودان وور مونيتور وإيفيدنت، خلص إلى أن مقاتلي قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات داخل معسكرات ليبية على استخدام أسلحة ومعدات عسكرية، بالتزامن مع استمرار الاتهامات الموجهة إلى هذه القوات بارتكاب انتهاكات جسيمة في السودان، بينها اتهامات بالإبادة الجماعية.
وأشار التحقيق إلى أن الدعم اللوجستي لا يقتصر على التدريب العسكري، بل يشمل أيضاً تزويد القوات بالوقود والمركبات رباعية الدفع ومعدات عسكرية أخرى.
منشقون يتحدثون عن الدعم الإماراتي
ونقل التقرير عن أحد المنشقين عن قوات الدعم السريع، عُرف باسم “أحمد”، قوله إن جميع الأسلحة والإمدادات التي كانت تصل إلى المقاتلين “كانت إماراتية”.
وأضاف: “الإمارات هي من تدعم قوات الدعم السريع. كانت الشحنات تصل بالطائرات، ثم نتسلمها داخل ليبيا قبل نقلها إلى السودان.”
وأوضح التحقيق أن أحمد كان واحداً من سبعة منشقين شاركوا في برامج التدريب أو عمليات نقل الإمدادات، وأدلوا بشهاداتهم ضمن التحقيق.
كما أكد منشقون آخرون، إلى جانب مصادر من قوات حفتر، أن عدداً من المواقع العسكرية في ليبيا استُخدم كمراكز لوجستية لدعم قوات الدعم السريع.
معسكرات في شرق وجنوب ليبيا
وحدد التحقيق أربعة معسكرات رئيسية يُعتقد أنها تستخدم لتدريب عناصر قوات الدعم السريع، تقع في:
- السويدية قرب الكفرة.
- سبها.
- الجفرة.
- المعسكر 17 قرب بنغازي.
وقال المنشق أحمد إنه نُقل أولاً إلى منطقة المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان، قبل انتقاله إلى الكفرة، ومنها إلى بنغازي.
وأضاف أن “المعسكر 17” كان يمثل مركزاً رئيسياً لتخزين الإمدادات العسكرية، مؤكداً أنه شاهد بنفسه وصول أسلحة ومركبات عسكرية بواسطة طائرات.
وأشار أيضاً إلى أنه رأى مدرعة تحمل عبارة “صنع في الإمارات”، رغم أن معظم صناديق الذخيرة والأسلحة لم تكن تحمل علامات تعريف واضحة.
تدريبات على الأسلحة الثقيلة
ووفقاً للتحقيق، يتلقى المقاتلون تدريبات على استخدام أسلحة ثقيلة، من بينها:
- رشاشات دوشكا.
- قاذفات آر بي جي.
- راجمات الصواريخ.
- المركبات العسكرية.
كما كشف التحقيق عن وجود متعاقدين عسكريين من كولومبيا داخل بعض هذه المعسكرات.
وأشار إلى تقرير سابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش تحدث عن عمل هؤلاء المتعاقدين لصالح شركة غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب، وهي شركة مقرها الإمارات وتربطها علاقات بالحكومة الإماراتية، بحسب المنظمة.
الإمارات تنفي
وعلى الرغم من هذه الاتهامات، تؤكد الإمارات باستمرار أنها لا تقدم أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف في الحرب السودانية.
ونقل التقرير بياناً لوزارة الخارجية الإماراتية جاء فيه أن أبوظبي “لم تقدم ولا تقدم دعماً عسكرياً أو مالياً لأي طرف من الأطراف المتحاربة في السودان”.
كما تواصل قوات الدعم السريع نفي تلقيها أي دعم إماراتي.
ليبيا محطة رئيسية في الحرب السودانية
وأشار التقرير إلى أن العلاقة بين قوات الدعم السريع وقوات خليفة حفتر تطورت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023.
وسبق أن نشرت ميدل إيست آي تقارير تحدثت عن تعاون بين قوات حفتر، ولا سيما كتيبة سبل السلام، وقوات الدعم السريع، إضافة إلى استخدام منطقة المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والسودان ممراً رئيسياً لنقل الأسلحة والمقاتلين.
الذهب والتحالفات القديمة
وأوضح التقرير أن العلاقات بين الإمارات وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) تعود إلى سنوات طويلة، عندما كانت قوات الدعم السريع جزءاً من المنظومة العسكرية الرسمية في السودان.
وأضاف أن الذهب المستخرج من مناجم تابعة لعائلة دقلو في إقليم دارفور كان يُصدر إلى أسواق دبي، كما شارك مقاتلون من قوات الدعم السريع سابقاً في الحرب باليمن ضمن التحالف الذي قادته السعودية والإمارات.
الضربات المصرية والتركية غيّرت مسارات الإمداد
وأشار التقرير إلى أن مصر وتركيا نفذتا، منذ أواخر عام 2025، ضربات استهدفت قوافل تابعة لقوات الدعم السريع كانت تتحرك من مناطق خاضعة لسيطرة قوات حفتر داخل ليبيا باتجاه السودان.
وبحسب مصادر عسكرية واستخباراتية مصرية وسودانية وليبية، أدت تلك الضربات إلى إغلاق مؤقت لقاعدة الكفرة الجوية، كما دفعت الإمارات إلى تغيير خطوط الإمداد بدلاً من وقفها.
وأوضح التقرير أن الرحلات الجوية اتجهت لاحقاً نحو شرق تشاد، مع الاعتماد بصورة أكبر على مطار أم جرس.
مطار أم جرس في قلب الاتهامات
ونقل التقرير عن مصادر عسكرية مصرية أن الإمارات تدير غرفة عمليات داخل مطار أم جرس في تشاد، تُستخدم لتنسيق عمليات الدعم الخاصة بقوات الدعم السريع.
وأضافت المصادر أن شركات إماراتية نفذت أعمال توسعة واسعة داخل المطار، شملت إنشاء مرافق جديدة وحظائر للطائرات المسيّرة وبنية تحتية قادرة على استقبال طائرات الشحن العسكرية الثقيلة من طراز إليوشن.
في المقابل، تؤكد الإمارات أن نشاطها في أم جرس يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية.
ممر جديد للأسلحة
وكشف التحقيق أيضاً عن ممر جديد لنقل الأسلحة يبدأ من البوابة 17 على الحدود الليبية التشادية، مروراً بمدينة أبشي، ثم مدينة أدري الحدودية، قبل وصوله إلى إقليم دارفور، الذي تسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة منه.
ويرى التقرير أن هذا المسار أصبح أحد أهم خطوط الإمداد العسكرية في الحرب السودانية.
الحرب الإنسانية الأكبر في العالم
وتشير تقديرات نقلها التقرير إلى أن الحرب المستمرة في السودان أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 200 ألف شخص، إضافة إلى نزوح ولجوء ملايين المدنيين داخل السودان وخارجه، لتصبح أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً.
وفي ظل استمرار الإمارات في نفي أي دعم عسكري أو مالي لأطراف النزاع، يعيد التحقيق الجديد وضع ليبيا وتشاد في صدارة المشهد، باعتبارهما محورين رئيسيين في شبكات الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية، وسط استمرار التحقيقات والاتهامات الدولية بشأن أدوار القوى الإقليمية في الصراع.
اقرأ أيضاً
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟
كواليس الدعم الخفي.. كيف وصلت قوافل سيارات الدفع الرباعي الإماراتية إلى حدود بني شنقول؟

