وطن-في ظل التحولات المتسارعة في العلاقات الدفاعية بشرق المتوسط، تتجه الأنظار إلى تحالف ناشئ يسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، مع سعي اليونان إلى ضم الهند إلى تكتّل ثلاثي يضمّ كلاً من أثينا ونيقوسيا وتل أبيب. الهدف المعلن لهذا المسعى هو تعزيز منظومة الردع في مواجهة التمدد العسكري التركي وتحالفاته الإقليمية الجديدة.
تحالف يتكيّف مع واقع إقليمي متغير
برز “الرباعي المتوسطي” — المعروف اختصاراً باسم “مد كواد” — خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كصيغة تعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل، على خلفية خلافات مستمرة مع أنقرة حول مناطق النفوذ البحري وجزر بحر إيجه والحدود الاقتصادية الخالصة وملف الطاقة. وتعتبر هذه القضايا محور توتر مزمن بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي منذ منتصف القرن الماضي، حين بدأت الأزمة القبرصية بترسّخها في الوعي السياسي والإقليمي.
ومع تنامي التعاون العسكري بين تركيا وكلٍّ من السعودية وباكستان أخيراً، ترى أثينا أن الوقت بات مناسباً لتوسيع دائرة تحالفها نحو الشرق، باستقطاب دولة آسيوية ذات ثقل استراتيجي مثل الهند، ما قد يحوّل التكتّل إلى صيغة جديدة تحت مسمى «3+1»، أي ثلاثة أعضاء أصليين مع شريك رابع داعم.
خلفية التحركات الإقليمية
تزامن هذا التوجه مع إعلان أنقرة وإسلام آباد عن تفاهمات لتأسيس شراكة دفاعية ثلاثية تضمّ الرياض، وُصفت إعلامياً بأنها محاولة لبناء «ناتو إسلامي». وبرغم غموض تفاصيل الاتفاق المقترح، تشير مصادر مطّلعة إلى أنه لا يتضمن التزامات دفاع متبادل إلزامية في حال اندلاع نزاعات مسلحة.
وتأتي هذه التحركات بعد أن كانت باكستان والسعودية قد وقعتا في أيلول/سبتمبر 2025 على اتفاق «الدفاع الاستراتيجي المتبادل»، ينصّ على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدولتين بمثابة اعتداء على الأخرى. وتم توقيع الاتفاق خلال زيارة رسمية لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الرياض، وهو اتفاق لا يرتبط مباشرة بالمباحثات الثلاثية الجارية حالياً مع تركيا.
البعد الهندي: بوابة نحو المتوسط
تطرح اليونان على الهند فكرة الانخراط في المنظومة الأمنية والطاقة في شرق المتوسط، مقدّمة نفسها «بوابة الهند إلى أوروبا». وقد أوضح وزير الخارجية اليوناني يورجيوس جيرابتريتيس خلال لقائه نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار ملامح هذا المسار، في لقاء يأتي امتداداً لتعاون متنامٍ بين الدولتين الديمقراطيتين، شمل في السابق تدريبات عسكرية مشتركة واتفاقات حول استخدام الموانئ.
وترى أثينا أن انضمام نيودلهي سيمنح التحالف بعداً عابراً للأقاليم يجمع بين المتوسط والمحيطين الهندي والهادئ، بما يعزز التعاون في مجالات الطاقة والأمن البحري والصناعات الدفاعية.
حسابات الردع والتوازن
تشير الاستخبارات الدفاعية في تقاريرها إلى أن الهند تتابع بحذر علاقات تركيا المتينة مع باكستان، وتدرك انعكاساتها على أمنها القومي. وقد أثارت اتفاقية مرتقبة بين الهند والاتحاد الأوروبي لتسهيل التبادل التجاري—من المتوقع أن تضاعف صادرات أوروبا بحلول عام 2032—توترات في الإعلام التركي، خصوصاً بعد أن قدّمت نيودلهي امتيازات جمركية غير مسبوقة لبروكسل لا يتمتع بها أي شريك آخر.
في المقابل، يرى محللون أن تعميق التعاون بين «الرباعي المتوسطي» والهند يمكن أن يصوغ محوراً استراتيجياً موازناً، يحدّ من اتساع النفوذ التركي عبر صيغة دفاعية أوسع تتخطى حدود الجغرافيا التقليدية.
في عالم تتشابك فيه التحالفات العسكرية والاقتصادية، لا تبدو التحركات الإقليمية الحالية مجرد ردود فعل آنية، بل مسعى لتأسيس معادلات توازن جديدة. إدماج الهند في منظومة المتوسط قد يعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي من منظور أوسع يربط بين الطاقة والملاحة والدبلوماسية الدفاعية.
لكن تبقى الرسالة الأوضح أن هشاشة الاستقرار في شرق المتوسط، كما في آسيا الجنوبية، تذكّر بأن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد محلياً أو إقليمياً فحسب، بل شبكة متداخلة من المصالح تحتاج إلى حوار دائم وتعاون متزن يجنّب المنطقة دوامة الاصطفاف الحاد والصراع المفتوح.
اقرأ المزيد
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية












