وطن-بين الدمار الذي يخلفه القصف الجوي والانقطاع شبه الكامل للاتصالات، تعيش عائلات المعتقلين السياسيين في إيران حالة من الذعر والارتباك. فبينما يتوالى سقوط القنابل الإسرائيلية والأميركية على مناطق مختلفة من البلاد، تبقى حياة المئات من السجناء السياسيين رهينة الغموض، وسط انقطاع أخبارهم وتدهور الأوضاع داخل السجون.
قلق يتجاوز صوت الانفجارات
منذ اندلاع الهجمات الجوية قبل أيام، أفادت مصادر حقوقية بوقوع قنابل بالقرب من عدة سجون تُعرف باحتجاز الناشطين السياسيين، منها سجن إيفين شمال طهران وسجن شيبان في الأحواز، وكلاهما يجاور منشآت للحرس الثوري الإيراني، ما يجعلهما عرضة مباشرة للخطر.
لكن الخطر لا يقف عند حدود القصف، إذ يعبّر ذوو السجناء عن خشيتهم من أن تستغل السلطات الإيرانية “ضباب الحرب” للتنكيل بالمعتقلين أو تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم بعيدًا عن أعين العالم.
قال كاميل، وهو قريب الناشطين جابر ومختار البوشوكة، من مقر إقامته في لندن إن العائلة فقدت الاتصال بهما قبل ثلاثة أيام من بدء الغارات، مضيفًا: “أكثر ما يخيفنا أن النظام يستغل الحرب لتصفية المعتقلين في صمت، أو يتركهم يواجهون الجوع والمرض بلا علاج”.
مصير غامض وماضٍ مثقل بالذكريات
اعتُقل جابر ومختار البوشوكة، وهما من أبناء الأقلية العربية الأهوازية، منذ عام 2011 على خلفية نشاطهما الثقافي والدفاع عن الحقوق اللغوية للعرب في إيران. وبعد أن كانت صدرت بحقهما أحكام إعدام خُففت لاحقًا إلى السجن المؤبد تحت ضغط المنظمات الدولية، تعود الآن الهواجس القديمة بالقتل الجماعي إلى الأذهان، إذ شبّه كاميل الوضع الراهن بمجزرة عام 1988 حين أعدم الآلاف من السجناء السياسيين خلال الحرب العراقية – الإيرانية.
ويشير إلى أن الظروف الصحية لولديه العم متدهورة، حيث يعاني أحدهما من مرض مزمن لم يُسمح له بإجراء عملية جراحية كان يحتاجها منذ شهور، رغم المناشدات المتكررة.
تدهور انساني داخل السجون
تؤكد منظمات مدنية أن السجون في إيران تقف على حافة أزمة إنسانية حقيقية. كما أوضحت مؤسسة “نرجس محمدي” لدعم حقوق المعتقلين، أن التواصل مع محمدي — الحائزة على جائزة نوبل للسلام والمعتقلة في سجن زنجان — أصبح شبه مستحيل، وأن القلق على وضعها الصحي يتصاعد يومًا بعد آخر. كما تلقت المؤسسة تقارير من سجني قزل حصار قرب طهران ولاكان في رشت عن نقص حاد في الغذاء والدواء وإغلاق المتاجر الداخلية للسجون، الأمر الذي وصفته بأنه “انتهاك خطير لحقوق المدنيين”.
وفي رسالة تناشد العالم، قالت كيانة رحماني، ابنة نرجس محمدي: “قلبي ينكسر على أمي وكل من يُحتجز خلف جدران السجون في إيران. إنهم عالقون بين قسوة نظام لا يرحم وأصوات الانفجارات التي تقترب من زنازينهم. لا يمكن السماح بأن يُنسى هؤلاء الناس في عزلتهم”.
الخطر الصحي يتفاقم
إحدى الشهادات التي حصلت عليها منظمات حقوقية من معتقل سابق في سجن شيبان — رفض كشف هويته خشية الانتقام من شقيقه الذي لا يزال داخل السجن — تُظهر مدى قسوة الوضع. “حين كنت هناك بين عامي 2011 و2012 كانت الحياة صعبة، لكن اليوم بات السجن يضم ما يفوق ضعف طاقته، نحو أربعة آلاف سجين في مكان أُعدّ لألفين فقط”، قال المعتقل السابق.
وأشار إلى تقارير عن إصابات جماعية بالإنفلونزا في ظل وجود طبيب واحد فقط داخل السجن، مضيفًا أن غارة جوية استهدفت مستودع سلاح قريبًا تسببت في تحطم نوافذ السجن بأكملها. “الحرب لا تهدد المباني فقط، بل تعصف بأرواح السجناء وذويهم”، قال، داعيًا السلطات إلى إطلاق سراحهم مؤقتًا أو وضعهم قيد الإقامة الجبرية لحين استقرار الأوضاع، “لكن النظام يرفض تمامًا”.
الأقليات في مرمى السلطة
مع تصاعد التوترات الداخلية والخارجية، تتجدد مظاهر القمع ضد الأقليات القومية والمذهبية. فالمجموعات العربية والأكردية والبلوشية – التي طالما واجهت اتهامات بالانفصال – تجد نفسها هذه المرة في مواجهة مزدوجة: من جهة القصف، ومن جهة أخرى تضييق السلطات التي تعتبرها “الخصم الداخلي” في زمن الحرب.
وفي خضم هذا المشهد، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابًا دعا فيه الأقليات، وعلى رأسها الأهوازيون، إلى “الانتفاض من أجل إيران حرّة”، فيما تحدث تقارير عن مباحثات أميركية مع مجموعات كردية معارضة بشأن عمليات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية. لكن هذه الدعوات تثير انقسامًا داخل المعارضة الإيرانية التي تخشى تكرار سيناريوهات التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان وليبيا، وما خلفته من دمار وانقسام.
صوت النساء في الظلام
على الجانب الكردي، حذّرت منظمة نساء كردستان الشرقية الحرّة (KJAR) من أن “الخطر على حياة المعتقلين السياسيين كبير للغاية”، مشيرة إلى ما تتعرض له ناشطات شاركن في احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” منذ عام 2022، ومن بينهن العضوة فيشتة مرادي التي نجت مؤخرًا من حكم الإعدام.
وقالت المنظمة إن الأوضاع الأمنية أصبحت أكثر قمعًا، وإن الأمل بالتحول الديمقراطي يبدو بعيد المنال ما لم تحدث تغييرات سياسية عميقة. وأضافت المتحدثة باسمها: “معظم السجناء يعيشون في خوف دائم وعزلة تامة عن العالم الخارجي”.
في زمن تتقاطع فيه الحروب مع الانتهاكات الداخلية، يدفع المعتقلون السياسيون ثمناً مضاعفًا للعزلة والصمت. فبين همجية القصف وانسداد الأفق الحقوقي، تظل الزنازين الإيرانية شاهدة على معاناة لا صوت لها. وفي غياب الضغط الدولي لحماية أرواح هؤلاء السجناء، تبقى مناشدات الأهالي والناشطين آخر خطوط الدفاع عن إنسانيتهم — في انتظار أن يتجاوز العالم “ضباب الحرب” ليرى وجوه من يقبعون خلف الجدران، لا كأرقام في تقارير، بل كبشر يحق لهم النجاة والحرية.
اقرأ المزيد












