وطن-في تطور يثير قلقاً متزايداً في المنطقة، وجدت دول الخليج نفسها أمام تحديات أمنية غير مسبوقة بعد موجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران مستهدفة منشآت حيوية وعسكرية ومدنية في الإمارات والبحرين والكويت وقطر مطلع مارس 2026. وأدى هذا التصعيد إلى إعادة تقييم شاملة لقدرات الدفاع الجوي في تلك الدول، التي تسعى اليوم لتحديث أنظمتها وتعزيز كوادرها بخبرات دولية جديدة.
خلفية التصعيد
بدأت الأزمة في أعقاب اندلاع حرب شاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير، أدت إلى سقوط عدد كبير من القادة الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وفق تصريحات أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يُخفِ سعيه لتغيير النظام في طهران. وردّت إيران بهجمات متفرقة على أهداف في الخليج، بينها منشآت للطاقة ومراكز عسكرية ومدنية.
أنظمة الدفاع: نقاط القوة والقصور
على الرغم من امتلاك دول المنطقة لأنظمة دفاعية متطورة مثل منظومة “ثاد” الأمريكية المنتشرة في الإمارات، ومنظومات “باتريوت” و”PAC-3 MSE” في قطر والبحرين والكويت، إلا أن الهجمات الأخيرة كشفت محدودية فعالية هذه الأنظمة في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية الصغيرة من طراز “شاهد”، التي يصعب رصدها بسبب بصمتها الرادارية المنخفضة. ويرى خبراء أن الحل الفعّال يكمن في بناء شبكات دفاعية متعددة الطبقات تدمج قدرات الاستشعار والمواجهة في منظومة واحدة.
استقطاب الكفاءات والخبرات
تعمل دول الخليج حالياً على توسيع نطاق تعاونها مع شركات أمنية خاصة لتوظيف فنيين وخبراء في تشغيل الرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية، إلى جانب فرق الصيانة والأمن الأرضي. وتشير مصادر مطّلعة إلى أن هذه الخطط شملت أيضاً البحث عن طيارين ذوي خبرة عملياتية قادرة على التعامل مع أجواء النزاعات النشطة.
وتؤكد مصادر من داخل القطاع العسكري الخاص أن أغلب الطلبات الحالية موجهة نحو متخصصين في الأنظمة الدفاعية من أوروبا، إلا أن هذا التحرك يُنظر إليه كإجراء استباقي أكثر منه استجابة عاجلة للوضع الراهن.
تحول في وجهة الاستعانة بالخبرات
مع تراجع فاعلية بعض المستشارين والعسكريين المتقاعدين من الولايات المتحدة وبريطانيا، تتجه دول الخليج إلى استقطاب كفاءات من دول ذات أغلبية مسلمة مثل باكستان ومصر، في حين تُخصص الوظائف الأوروبية لتقنيين ومهندسين مختصين بأنظمة الدفاع. وأوضح أحد المتابعين أن “الأولوية الأولى الآن هي تعزيز القدرة الدفاعية، تليها مسألة الدعم اللوجستي وصيانة القوة الجوية بمشاركة عدد محدود من الطيارين ذوي الخبرة”.
تطوير الأنظمة التكاملية
إلى جانب تعزيز الكادر البشري، تبحث بعض الدول الخليجية عن أنظمة مساندة متوافقة مع المعدات الأمريكية، بما في ذلك ما يُعرف بشبكات “القاتل الشبكي” (Kill-Web) التي تربط القدرات الاستخباراتية والهجومية عبر البر والبحر والجو والفضاء السيبراني.
وعلى الرغم من عدم التشكيك المباشر في المظلة الدفاعية الأمريكية، تشير بعض المصادر إلى وجود تململ من محدودية تغطيتها. ويقول أحد المطلعين إن تدريب كوادر محلية جديدة على تشغيل هذه الأنظمة من الصفر يتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة، لذلك يجري حصر الاختيار على من يملكون خبرة سابقة في تشغيلها ويمكن تأهيلهم ببرامج سريعة.
نقد وتوعية
انتقادات عدة وُجهت لدول الخليج بسبب اعتمادها المفرط في السابق على الحماية الغربية، ما أدى إلى تراخٍ في إجراءاتها التشغيلية والاكتفاء بثقة مطلقة في كفاءة الأنظمة المستوردة. ويؤكد أحد الخبراء أن “الموقف تغيّر كلياً، فبعد أن كانوا يرفضون أي ملاحظات حول ضعف استعدادهم، أصبحت هواتفنا لا تتوقف عن الرنين”.
كشفت تجربة الأشهر الماضية أن الأمن الإقليمي لا يُبنى فقط على التكنولوجيا المتقدمة، بل على إدارة فعّالة وتدريب مستمر واستعداد دائم لتحديث المنظومات. ومع تزايد التهديدات العابرة للحدود، يبدو أن الخليج يدخل مرحلة جديدة من التفكير الدفاعي تتطلب موازنة دقيقة بين الاعتماد على الشركاء الدوليين وبناء قدرات ذاتية أكثر صلابة واستقلالاً.
اقرأ المزيد
الرياض خلف الستار: هل دفعت السعودية واشنطن نحو الحرب على إيران؟
زلزال الحرب في إيران يضرب استقرار البحرين: قلق من توسع رقعة “الاضطرابات المدنية”












