وطن-عاشت مدينة البليدة، العاصمة التاريخية لمنطقة “المتيجة”، يوماً دامياً اختلطت فيه مشاعر الترقب لزيارة بابوية تاريخية بأصداء التفجيرات الإرهابية. فبينما كانت الجزائر تفتح ذراعيها لاستقبال الحبر الأعظم، البابا ليون الرابع عشر، في رحلة “حوار الأديان”، شهدت المدينة تفجيرين انتحاريين استهدفا مركزاً أمنياً، مما أدى إلى استنفار وطني شامل وتحقيقات عاجلة لكشف ملابسات التوقيت والدوافع.
اعتداء البليدة: يقظة أمنية حالت دون وقوع كارثة
أقدم انتحاريان على محاولة استهداف مقر للشرطة في قلب مدينة البليدة، حيث فجرا نفسيهما في محيط المركز الأمني. وأكدت المصادر الميدانية أن يقظة أحد الضباط، الذي اشتبه في تحركات أحد المهاجمين وتقدم نحوه، أجبرت الانتحاري على تفعيل حزامه الناسف قبل الوصول إلى هدفه الرئيسي، مما حال دون وقوع مجزرة أكبر في صفوف المدنيين ورجال الأمن.
وانتشرت قوات الأمن بشكل كثيف في أحياء المدينة، التي شهدت حالة من الارتباك تزامنت مع هطول أمطار خفيفة، فيما تولت الفرق الجنائية معاينة مسرح الجريمة لجمع الأدلة، في ظل إجراءات أمنية مشددة أحاطت بكافة المسارات المؤدية للعاصمة والمدن المجاورة.
دبلوماسية السلام: البابا في الجزائر لأول مرة
هذا التصعيد الأمني لم يحل دون استمرار البرنامج الرسمي للزيارة التاريخية الأولى من نوعها لحبر أعظم إلى الجزائر. ففي العاصمة، التقى البابا ليون الرابع عشر بالرئيس عبد المجيد تبون وبالشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، عميد جامع الجزائر الأعظم، في لقاء قمة جمع بين قطبي الحوار الديني في المنطقة.
وشملت جولة البابا محطات ذات دلالة تاريخية وروحية عميقة، أبرزها زيارة مدينة عنابة وموقع “هيبو ريجيوس” الأثري المرتبط بالقديس أوغسطين، حيث أقام قداساً عالمياً شهد حضوراً لافتاً لرجال دين من مختلف أنحاء القارة الإفريقية، مختتماً زيارته بغرس “شجرة سلام” ترمز لصفحة جديدة في العلاقات بين الدولة الجزائرية والكرسي الرسولي.
سجال الفاتيكان والبيت الأبيض: البابا لا يخشى السياسة
على هامش الرحلة، لم تغب السياسة الدولية عن أجواء الزيارة؛ حيث تصاعدت حدة الخلاف العلني بين البابا ليون الرابع عشر ودونالد ترامب. فبينما اتهم ترامب البابا بـ “عدم الإلمام بالسياسة الدولية” وانتقده لرفضه الحرب ضد إيران، رد البابا من على متن طائرته المتجهة للجزائر برصانة قائلاً: “لن أصمت أمام الحروب.. واجبي الروحي يفرض عليّ رفض العنف أياً كان مصدره”. وأكد بوضوح أنه “غير خائف من أي إدارة سياسية”، في إشارة صريحة إلى تمسك الفاتيكان باستقلالية قراره الأخلاقي والسياسي.
تظل زيارة البابا للجزائر في أبريل 2026 حدثاً استثنائياً؛ فهي لم تكن مجرد رحلة دينية، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الجزائر على إدارة ملفات معقدة تجمع بين مكافحة الإرهاب الميداني وقيادة حوار عالمي من أجل السلام في منطقة تموج بالاضطرابات.
اقرأ المزيد
“دبلوماسية الضرورة”.. هل تعيد أزمات الصحراء والشرق الأوسط صياغة الحلف الجزائري الفرنسي؟












