وطن-في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وبينما تتصاعد التوترات من الشرق الأوسط إلى الساحل الإفريقي، خطف اللقاء الذي جمع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة أنقرة اهتمام المراقبين، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة الرسائل الحقيقية التي يحملها هذا التقارب السياسي والعسكري المتسارع.
فالزيارة التي جاءت في توقيت إقليمي ملتهب لم تُقرأ باعتبارها مجرد لقاء بروتوكولي أو اقتصادي عابر، بل اعتبرها كثيرون مؤشرًا على تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
المنطقة تشتعل… والتحالفات تتحرك
يعيش الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله توترًا منذ سنوات، مع استمرار الأزمات المرتبطة بإيران وغزة والبحر الأحمر ومضيق هرمز، بينما تتحول منطقة الساحل الإفريقي إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى دولية وإقليمية، تشمل روسيا والغرب وتركيا.
وفي هذا السياق، تبدو الجزائر أكثر قلقًا من أي وقت مضى بشأن أمن حدودها الجنوبية، خاصة مع تصاعد الفوضى في مالي والنيجر وليبيا، وانتشار الجماعات المسلحة والانقلابات العسكرية في محيطها الجغرافي المباشر.
أما تركيا، فتسعى منذ سنوات إلى توسيع حضورها العسكري والاقتصادي داخل إفريقيا، عبر قواعد عسكرية واتفاقيات أمنية وشراكات استراتيجية تمتد من ليبيا إلى القرن الإفريقي.
هل تبحث الجزائر عن شريك أمني جديد؟
يرى متابعون أن الجزائر بدأت تدرك أن التحديات الأمنية الجديدة تتطلب توسيع دائرة الشراكات الإقليمية، خصوصًا في مجالات الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية والتنسيق الاستخباراتي.
ويأتي التقارب مع تركيا في وقت تعمل فيه أنقرة على تعزيز مكانتها كقوة دفاعية صاعدة، بعدما تحولت صناعاتها العسكرية إلى لاعب مؤثر في عدة ساحات صراع إقليمية.
كما أن التعاون الجزائري التركي قد يمنح الجزائر هامشًا أوسع للتحرك في ملفات الساحل وليبيا، بعيدًا عن الضغوط الغربية التقليدية.
أنقرة ترى في الجزائر بوابة إفريقيا
في المقابل، تنظر تركيا إلى الجزائر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا داخل شمال إفريقيا والقارة الإفريقية، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو ثقلها السياسي والعسكري.
وتسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والأمني في القارة، مستفيدة من تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي في الساحل وتصاعد حالة الفراغ الإقليمي.
ويرى مراقبون أن التعاون مع الجزائر قد يمنح تركيا موطئ قدم أكثر قوة في ملفات الطاقة والتجارة والأمن داخل المتوسط وإفريقيا.
اتفاقيات تتجاوز الاقتصاد
وعلى الرغم من أن الزيارة حملت عناوين اقتصادية واستثمارية معلنة، فإن حجم الوفود الرسمية وطبيعة الملفات المطروحة داخل مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين يوحيان بأن النقاشات تتجاوز التجارة إلى قضايا أكثر حساسية تتعلق بالأمن والدفاع والتحولات الجيوسياسية.
كما تأتي هذه الزيارة في وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية بسرعة، ما يدفع الدول الكبرى والمتوسطة إلى إعادة بناء تحالفاتها استعدادًا لمرحلة أكثر اضطرابًا.
هل نحن أمام محور جديد؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على ولادة تحالف عسكري مباشر بين الجزائر وتركيا، لكن تزامن المصالح والتحديات الأمنية المشتركة يجعل التقارب بين البلدين مرشحًا للتوسع خلال السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا التقارب إلى محور إقليمي جديد يمتد من المتوسط إلى الساحل الإفريقي؟ أم أن الحسابات الدولية والتوازنات المعقدة ستفرض حدودًا على هذا التعاون؟
اقرأ المزيد
يلدريم خان”: هل يقلب صاروخ تركيا العابر للقارات موازين القوى في الشرق الأوسط؟

