وطن-لم يكن أحد يتوقع أن يقود تحقيق صحفي محلي إلى فتح أحد أخطر الملفات في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الحديث، ملفٌ لم يقتصر على الاعتداءات الجنسية بحق الأطفال، بل كشف عن منظومة معقدة من الصمت والتستّر استمرت لعقود.
البداية تعود إلى عام 2002، حين نشر تحقيق موقع “ذي بوسطن غلوب” تفاصيل صادمة حول مئات الحالات في مدينة بوسطن، ليتبيّن لاحقًا أن ما كُشف لم يكن سوى جزء من نمط أوسع داخل المؤسسة، امتد إلى دول عدة، مع تقديرات تشير إلى عشرات الآلاف من الضحايا حول العالم.
لكن الصدمة الأكبر لم تكن في حجم الانتهاكات فقط، بل في طريقة التعامل معها؛ إذ أظهرت الوثائق أن رجال دين متهمين لم يُحاسبوا بشكل حاسم، بل جرى نقلهم من موقع إلى آخر، في محاولة لاحتواء الفضيحة بدل معالجتها جذريًا.
تحقيق موسّع أجرته منظمة Correctiv على مدى ثماني سنوات كشف أن الفاتيكان كان يتلقى بلاغات واضحة منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن الاستجابة غالبًا ما اتسمت بالتأخير أو المعالجة الداخلية، ما سمح باستمرار الانتهاكات.
في قلب هذه المنظومة برز دور مجمع العقيدة والإيمان، الهيئة المسؤولة عن متابعة هذه القضايا، والتي ترأسها سابقًا جوزيف راتسينغر قبل أن يصبح بابا. ورغم وصول الملفات إلى هذه الجهة، لم تكن القرارات دائمًا بالحسم المطلوب، بل شابها التردد وأحيانًا إعادة دمج المتورطين داخل المؤسسة.
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للجدل ما يُعرف بـ“أرمادي” — وهي خزائن وأرشيفات سرية داخل الفاتيكان، تُحفظ فيها وثائق القضايا الحساسة بعيدًا عن أي رقابة عامة. هذه السرية، بحسب التحقيقات، لعبت دورًا محوريًا في تأخير العدالة، ومنعت الوصول إلى الحقيقة الكاملة.
كما ساهمت طبيعة القانون الكنسي في تعقيد الأزمة، إذ كان يُنظر إلى الاعتداءات على أنها “انحراف أخلاقي” مرتبط بالعفة، بدل تصنيفها كجريمة عنف ضد الأطفال، ما انعكس على آليات المحاسبة والإجراءات المتخذة.
هذه البيئة المغلقة أدت إلى سلسلة من النتائج الخطيرة: تأخير في التبليغ، ضعف في المحاسبة، وأحيانًا اتفاقيات صمت مع الضحايا، ما عمّق معاناتهم وأطال أمد الأزمة.
ورغم تشكيل لجان تحقيق لاحقًا في عدة دول، أظهرت النتائج أن شهادات الضحايا لم تُؤخذ دائمًا بجدية، بل واجه بعضها تشكيكًا أو تسويفًا، ما أثار موجة غضب وانتقادات واسعة.
اليوم، لم تعد القضية مجرد تجاوزات فردية، بل تحوّلت إلى اتهام بنيوي لنظام كامل تعامل مع الانتهاكات بالصمت، وسمح لها بالاستمرار. وبينما تتزايد الدعوات للشفافية والمساءلة، يبقى السؤال الأهم: هل تكشف خزائن “أرمادي” كل ما أُخفي، أم أن جزءًا من الحقيقة سيبقى حبيس الجدران المغلقة؟
اقرأ المزيد
صدمة في هوليوود.. اتهام بطل “The West Wing” تيموثي بوسفيلد بجرائم جنسية ضد أطفال
اعتداء جنسي على طفل مغربي يثير غضبًا واسعًا ومطالب بالعدالة
وفاة شوشانا ابنة وزيرة الاستيطان الإسرائيلية.. هل انتحرت بعد اتهام والديها باغتصابها؟












