وطن-في مشهد يحمل رمزية ثقيلة، جلس القاضي فخر الدين العريان على منصة القضاء في قلب دمشق، ليقود واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في تاريخ سوريا الحديث. ليست مجرد جلسة قضائية، بل لحظة تختزل صراعًا طويلًا بين العدالة والذاكرة.
جلسة تتجاوز القانون إلى التاريخ
لم تكن الجلسة الأولى ضمن مسار العدالة الانتقالية إجراءً اعتياديًا، بل مواجهة مفتوحة مع إرث سنوات من القمع والانتهاكات. في القفص وقف عاطف نجيب، أحد أبرز الوجوه المرتبطة ببدايات القمع، بينما خيّم اسم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد كحضور غائب يثقل القاعة.
المفارقة: من مُلاحَق إلى قاضٍ
المفارقة الأعمق لم تكن في هوية المتهمين، بل في هوية القاضي نفسه. فخر الدين العريان لم يكن يومًا خارج النظام، بل كان جزءًا من بنيته القضائية. درس الحقوق في جامعة حلب، وتدرّج حتى أصبح مستشارًا في محكمة الاستئناف بإدلب.
لكن في عام 2013، تغيّر كل شيء. أعلن انشقاقه عن النظام، متحدثًا عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، ليجد نفسه بعدها مطاردًا، صادرت الدولة ممتلكاته، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام.
سنوات الحرب… وبناء عدالة بديلة
خلال سنوات النزاع، انتقل العريان إلى مناطق المعارضة، حيث شارك في تأسيس محاكم بديلة، وعمل على توثيق الانتهاكات، في محاولة لإبقاء فكرة العدالة حيّة وسط انهيار مؤسسات الدولة.
لم يكن ذلك مجرد عمل قانوني، بل محاولة لإعادة تعريف القضاء في بلد مزقته الحرب.
العودة إلى دمشق… بداية جديدة أم تسوية؟
في عام 2025، عاد العريان إلى المشهد القضائي الرسمي بعد إلغاء الأحكام السابقة بحقه، ليشغل موقعًا رفيعًا في دمشق. هذه العودة أثارت تساؤلات واسعة: هل هي بداية حقيقية لمسار عدالة شامل؟ أم جزء من تسوية سياسية أوسع؟
محاكمة تختبر معنى العدالة
ما يجري اليوم في دمشق يتجاوز محاكمة أفراد. إنه اختبار حقيقي لفكرة العدالة في بلد مثقل بجراح عميقة. في الخارج، تنتظر عائلات المفقودين والمعتقلين إجابات طال انتظارها، وفي الداخل تحاول الدولة فتح ملفات لم تُغلق منذ أكثر من عقد.
بين القانون والسياسة… طريق معقّد
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه المحاكمات أن تصل إلى العدالة الكاملة، في ظل تعقيدات سياسية وقانونية هائلة؟ أم أنها ستبقى خطوة رمزية في مسار طويل؟
في كل الأحوال، فإن مشهد القاضي الذي طارده النظام، وهو يحاكم رموزه اليوم، يعكس لحظة نادرة في تاريخ سوريا… لحظة يدور فيها الزمان، لكن دون ضمانات بأن العدالة ستكتمل.
اقرأ المزيد
فرنسا تطلب توقيف بشار الأسد بتهمة جرائم ضد الإنسانية في سوريا












