وطن-زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو إلى الجزائر لم تكن زيارة دبلوماسية عادية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية تعكس توجّهًا أمريكيًا جديدًا في التعامل مع ملف الصحراء الغربية، الذي ظل لعقود رهين الجمود والاصطفافات الإقليمية المتباينة.
بحسب السفارة الأمريكية في الجزائر، التي نشرت صور الزيارة عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس”، فإن لاندو التقى عددًا من المسؤولين الجزائريين، في إطار جولة تشمل ملفات الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي. غير أن خلف هذه اللقاءات الرسمية تبرز أهداف دبلوماسية أعمق، تتمثل في إعادة إحياء مسار سياسي طويل التعطيل يتعلق بالصحراء الغربية.
وتشير معطيات الزيارة إلى أن واشنطن عازمة على لعب دور رئيسي في صياغة حل دائم للنزاع، مستفيدة من حضورها المتجدد في الملف خلال السنوات الأخيرة. ومع اقتراب مناقشات مجلس الأمن الدولي حول مستقبل بعثة “المينورسو”، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجاوز مرحلة إدارة الأزمة نحو فرض ديناميكية سياسية جديدة تقوم على “الواقعية” بدل “الاستمرار في الوضع القائم”.
المغرب في موقع المستفيد
تتلاقى مواقف عدة قوى دولية اليوم حول دعم الحلول التفاوضية بدل المسارات التقليدية التي أثبتت محدوديتها، وهو ما يعزز موقع الرباط ويقوّي مقاربتها القائمة على مبدأ الحكم الذاتي كإطار لإنهاء النزاع. ويُنظر إلى هذا التطور بوصفه مكسبًا دبلوماسيًا للمغرب في سياق تزايد الاهتمام الأمريكي بالمشهد الإقليمي.
الجزائر بين الثوابت والضرورات
أما الجزائر، التي تظل فاعلًا رئيسيًا في هذا الملف، فتواجه تحديًا مزدوجًا بين الحفاظ على مواقفها المبدئية من جهة، والتكيّف مع التحولات المتسارعة في البيئة الدولية من جهة أخرى. ويبدو أن إنجازاتها في هذا السياق بقيت ذات طابع دبلوماسي أكثر منها ميدانية، دون تقدم جوهري في مسار الحل.
تراجع جبهة البوليساريو وصعود مبادرات جديدة
في المقابل، تواجه جبهة البوليساريو تقلصًا في هامش تحركها مع ابتعاد خيار الاستفتاء عن الأجندة الدولية، وتزايد الحديث عن حلول سياسية بديلة. وتزامن ذلك مع بروز حركات جديدة مثل “الحركة الصحراوية من أجل السلام” التي تقدم مبادرات مختلفة وتسعى لكسر احتكار التمثيل داخل الساحة الصحراوية.
قراءة في السياق الإقليمي
هذه التحولات تعكس إدراكًا دوليًا متناميًا بأن استمرار الوضع القائم لم يعد ممكنًا، في ظل تنامي التحديات الأمنية في المنطقة وتدهور الاستقرار في منطقة الساحل، ما يدفع القوى الكبرى نحو تسويات عملية وسريعة، ولو كانت غير مثالية.
تأتي زيارة كريستوفر لاندو إلى الجزائر في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في شمال إفريقيا. وبين مكاسب يحتفظ بها البعض وتراجع مواقع آخرين، يبقى السؤال المفتوح: هل نحن أمام بداية حل حقيقي لقضية الصحراء الغربية، أم أمام إعادة صياغة للأزمة في شكل جديد؟
اقرأ المزيد
“دبلوماسية الضرورة”.. هل تعيد أزمات الصحراء والشرق الأوسط صياغة الحلف الجزائري الفرنسي؟
نقطة التحول في تاريخ الجزائر: كيف غيرت استقالة اليمين زروال مسار الدولة؟
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية












