وطن-في لحظة إقليمية غير مسبوقة، لم تعد دول الخليج تكتفي بإدارة أزماتها عبر البيانات الرسمية أو الدبلوماسية الهادئة، بل بدأت شخصيات خليجية ثقيلة الوزن بالخروج علناً للحديث عن مستقبل المنطقة، بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة وتهديدات متكررة بإغلاق مضيق هرمز.
وفي قلب هذا المشهد، برز اسمان يحملان ثقلاً سياسياً وأمنياً كبيراً: رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، ورئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل، اللذان قدّما خلال الأيام الماضية إشارات واضحة إلى أن الخليج دخل مرحلة استراتيجية جديدة قد تعيد تشكيل توازنات المنطقة بالكامل.
ضربات خليجية داخل إيران؟
بحسب ما أوردته صحيفة “نيو لاينز ماغاوين”، فإن الإمارات والسعودية نفذتا ضربات سرية داخل الأراضي الإيرانية، رداً على الهجمات التي استهدفت منشآت ومدناً خليجية خلال الحرب الأخيرة.
وعلى الرغم من عدم وجود اعتراف رسمي مباشر بهذه العمليات، فإن مجرد تداول هذه المعلومات يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الخليجية، بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بسياسات الاحتواء والدفاع غير المباشر.
فالهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهداف منشآت الطاقة والموانئ الخليجية، دفعت بعض العواصم إلى التفكير لأول مرة بخيار الرد داخل العمق الإيراني نفسه، وهو تطور كان يُعد حتى وقت قريب من المحرمات السياسية والعسكرية في الخليج.
حمد بن جاسم: إيران وإسرائيل تهديد واحد
في مقابلة مطولة مع قناة “الجزيرة”، قدّم حمد بن جاسم قراءة صريحة للمشهد الإقليمي، حملت ثلاث رسائل أساسية تتعلق بإيران وإسرائيل ومستقبل الأمن الخليجي.
أولى هذه الرسائل تمثلت في موقفه من مضيق هرمز، حيث اتهم إيران بالتعامل مع المضيق وكأنه جزء من سيادتها الوطنية، رغم كونه ممراً دولياً حيوياً يخص الخليج والعالم بأسره.
وقال إن طهران تمارس ما وصفه بـ”البلطجة السياسية”، عبر استخدام المضيق كورقة ضغط وتهديد، داعياً دول الخليج إلى نقل الملف إلى الأمم المتحدة من أجل تثبيت حرية الملاحة الدولية فيه عبر معاهدة واضحة وملزمة.
أما الرسالة الأخطر، فكانت مساواته بين إسرائيل وإيران من حيث التهديد الإقليمي، إذ قال إن الطرفين هما الوحيدان اللذان توسعا واعتديا خارج حدودهما في المنطقة.
هذا التصريح يعكس بوضوح وجود فجوة خليجية متزايدة تجاه إسرائيل، خصوصاً مع استمرار أبوظبي في تعميق تحالفها الأمني مع تل أبيب منذ اتفاقات أبراهام، في وقت ترى فيه أطراف خليجية أخرى أن إسرائيل أصبحت مصدراً إضافياً لعدم الاستقرار.
تركي الفيصل يحذر من “الحرب الكبرى”
ظهرت التحذيرات نفسها أيضاً في مقال للأمير تركي الفيصل، الذي اعتبر أن إسرائيل حاولت جرّ الخليج إلى مواجهة شاملة مع إيران، محذراً من أن نجاح هذا السيناريو كان سيقود المنطقة إلى “الدمار والخراب”.
وقال الفيصل إن آلاف الخليجيين كانوا سيدفعون ثمن حرب لا تخدم مصالحهم، بينما كانت إسرائيل ستخرج باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة.
وتعكس هذه التصريحات قلقاً متزايداً داخل بعض الأوساط الخليجية من تحوّل الصراع مع إيران إلى أداة لإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية، خصوصاً مع اتساع التنسيق العسكري بين تل أبيب وبعض العواصم الخليجية خلال الحرب الأخيرة.
هل يولد “ناتو خليجي” جديد؟
في رسالته الثالثة، دعا حمد بن جاسم إلى إنشاء ما وصفه بـ”ناتو خليجي”، لكنه أوضح أن الفكرة أقرب إلى نموذج الاتحاد الأوروبي، القائم على التكامل الأمني والسياسي والاقتصادي بين الدول الأعضاء.
ويرى مراقبون أن هذه الدعوة تعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن مرحلة الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية التقليدية لم تعد كافية، خصوصاً بعد الهجمات الإيرانية الواسعة التي هزّت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
لكن الطريق نحو أي تحالف خليجي جديد يبدو معقداً للغاية، بسبب الانقسامات العميقة داخل مجلس التعاون نفسه.
فقطر وسلطنة عمان تحتفظان بعلاقات متوازنة مع إيران، بينما اختارت الإمارات تعميق تحالفها مع إسرائيل، في حين تتعامل السعودية بحذر مع التحولات الجديدة وتحاول موازنة علاقاتها الإقليمية.
كما أن أزمة حصار قطر السابقة ما تزال حاضرة في الذاكرة الخليجية، بعدما وصلت الخلافات آنذاك إلى مستويات غير مسبوقة داخل مجلس التعاون.
الخليج أمام أخطر اختبار
تكشف تصريحات حمد بن جاسم وتركي الفيصل أن الخليج يعيش اليوم مرحلة مفصلية تتجاوز مجرد الحرب مع إيران.
فالمنطقة تواجه تحولات استراتيجية كبرى: إيران تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة وأوراق الطاقة والمضائق البحرية، وإسرائيل تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، بينما تجد العواصم الخليجية نفسها أمام سؤال وجودي:
هل تواصل إدارة أزماتها بشكل منفرد وتحالفات متناقضة، أم تتجه فعلاً نحو بناء منظومة أمنية خليجية جديدة قادرة على مواجهة عالم يتغير بسرعة؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الخليج لعقود قادمة.
اقرأ المزيد
حمد بن جاسم يدعو لـ “ناتو خليجي” بقيادة سعودية ويحذر من “أوهام” نتنياهو في إيران
تركي الفيصل: السعودية أحبطت مخططاً إسرائيلياً لجرّ المملكة إلى حرب مع إيران

