وطن-تواجه وسائل إعلام بريطانية يمينية موجة انتقادات غير مسبوقة، بعد اتهامها بتشويه تصريحات المصور البريطاني المرشح لجائزة الأوسكار ورئيس مركز ساوثبانك الثقافي، ميسان هاريمان، على خلفية منشورات تناولت هجوم غولدرز غرين في لندن، وما وصفه ناشطون بحملة منظمة استهدفت مواقفه المؤيدة لفلسطين وحرية التعبير.
وبحسب موقع “ميدل إيست آي”، سجّلت منصة مراقبة الإعلام “نيوز كورد” رقماً قياسياً في عدد الشكاوى المقدمة إلى هيئة تنظيم الصحافة البريطانية المستقلة “إيبسو”، ضد عدد من الصحف والمنصات اليمينية، بعد اتهامها بنشر روايات مضللة ومجتزأة حول تصريحات هاريمان.
وتجاوز عدد الشكاوى خمسين ألف بلاغ خلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، قبل أن يرتفع لاحقاً إلى أكثر من ثمانين ألف شكوى، وهو رقم يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق المسجل ضد مقال جيريمي كلاركسون عن ميغان ماركل في صحيفة “ذا صن” عام 2022.
بداية الأزمة.. منشور عن ضحية مسلم في هجوم غولدرز غرين
بدأت الأزمة بعدما شارك هاريمان منشوراً تساءل فيه عن سبب تجاهل الشرطة ووسائل الإعلام البريطانية لذكر ضحية مسلم تعرض للطعن قبل الهجوم على رجلين يهوديين في منطقة غولدرز غرين شمال لندن.
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أن هاريمان لم يطرح مزاعم بلا أساس، إذ إن البيانات الرسمية والتغطيات الإعلامية الأولى ركزت على “طعن رجلين”، رغم أن عدد الضحايا الفعلي كان ثلاثة أشخاص، بينهم رجل مسلم يُدعى إسماعيل حسين.
كما شارك هاريمان مقطع فيديو تناول فيه أهمية التماسك الاجتماعي بعد الانتخابات المحلية الأخيرة التي حقق فيها حزب “ريفورم” اليميني مكاسب بارزة. واستشهد خلال حديثه باقتباس للكاتبة الأمريكية اليهودية سوزان سونتاغ حول السلوك الإنساني وإمكانية دفع المجتمعات في اتجاهات مختلفة خلال الأزمات السياسية.
غير أن بعض وسائل الإعلام اليمينية اتهمته لاحقاً بأنه قارن ناخبي حزب “ريفورم” بالنازيين، رغم أن الفيديو الكامل – وفق “ميدل إيست آي” – لا يتضمن أي مقارنة مباشرة بالهولوكوست أو النازية، بل جرى اقتطاع جزء قصير من سياقه الأصلي.
دعم واسع من مشاهير وبرلمانيين
وفي مواجهة الحملة الإعلامية، وقع أكثر من 250 شخصية عامة رسالة مفتوحة دعماً لهاريمان، من بينهم غاري لينيكر، ولويس ثيرو، وآني لينوكس، وغريتا تونبرغ، ومارك رافالو.
وأكدت الرسالة، التي نشرتها منظمة “غود لو بروجيكت”، أن ما تعرض له هاريمان يمثل محاولة لتشويه سمعته وإرسال رسالة تخويف لكل من يعبر علناً عن مواقف مؤيدة لفلسطين أو منتقدة لإسرائيل.
وجاء في الرسالة أن “محاولة إسكات منتقدي إسرائيل عبر اتهامهم بمعاداة السامية لا تحمي الجالية اليهودية في بريطانيا، بل تهدد حرية التعبير والنقاش الديمقراطي”.
كما بعث عشرون نائباً بريطانياً من أحزاب مختلفة رسالة إلى وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي، نددوا فيها بما وصفوه بمحاولة متعمدة لإخراج تصريحات هاريمان من سياقها واستخدامها لإثارة ضجة إعلامية مصطنعة.
ومن بين الموقعين على الرسالة البارونة سعيدة وارثي، والنائبان العماليان جون ماكدونيل وناز شاه، إلى جانب شخصيات من حزب الخضر البريطاني.
اتهامات بحملة منظمة تقودها صحف يمينية
وخلال أسبوع واحد فقط، نشرت أربع وسائل إعلام يمينية تقارير متشابهة استهدفت هاريمان، الذي يشغل منصب رئيس مركز ساوثبانك، أحد أبرز المراكز الثقافية الممولة من المال العام في بريطانيا.
واتهمت صحيفة “التلغراف” هاريمان بالترويج لـ”نظرية مؤامرة” بشأن هجوم غولدرز غرين، ثم زعمت لاحقاً أنه “قارن فوز حزب ريفورم بالهولوكوست”، قبل أن تتبنى وسائل إعلام أخرى الرواية نفسها، من بينها “ديلي ميل” و”جي بي نيوز” و”ديلي إكسبريس”.
لكن موقع “ميدل إيست آي” أكد أن هذه الروايات استندت إلى مقاطع مبتورة وتصريحات مجتزأة، جرى استخدامها بصورة سياسية وإعلامية لتشويه صورة هاريمان بسبب نشاطه المؤيد لفلسطين.
اقتباس سوزان سونتاغ في قلب الجدل
الجدل الأكبر تمحور حول حديث هاريمان عن اقتباس للكاتبة الأمريكية اليهودية سوزان سونتاغ، قالت فيه إن “10% من الناس في أي مجتمع قساة مهما حدث، و10% رحماء مهما حدث، أما الـ80% الباقون فيمكن دفعهم في أي اتجاه”.
وأضاف هاريمان في الفيديو أن الفكرة “راهنة جداً” في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، وهو ما اعتبرته الصحف اليمينية إشارة إلى ناخبي حزب “ريفورم”.
لكن مؤيدي هاريمان يؤكدون أن حديثه جرى اجتزاؤه عمداً لتصويره وكأنه يهاجم الناخبين أو يقارنهم بالنازية، بينما كان يناقش قابلية المجتمعات للتأثر بالخطابات السياسية خلال الفترات الحساسة.
مطالب بتحقيق رسمي ومحاسبة إعلامية
وقال نيما أكرم، مؤسس منصة “نيوز كورد”، إن وسائل الإعلام المعنية “تتحرك ضمن مشروع سياسي واحد”، يهدف – بحسب تعبيره – إلى مهاجمة الأصوات المؤيدة لفلسطين، وإضعاف المؤسسات الثقافية الممولة من الدولة.
وأضاف أن هيئة تنظيم الصحافة البريطانية “إيبسو” تواجه اختباراً حقيقياً، محذراً من أن الفشل في التعامل مع هذه الحملة سيقوض الثقة بتنظيم الإعلام في بريطانيا.
وطالبت “نيوز كورد” بفتح تحقيق رسمي في تغطيات الصحف الأربع، مع إصدار تصحيحات علنية للعناوين والتقارير التي وصفتها بالمضللة.
هاريمان: لن أصمت عن المظلومين
من جانبه، قال ميسان هاريمان إن “الحقيقة نفسها باتت تُسحق على يد المؤسسات التي يفترض بها حمايتها”.
وأضاف: “لن أهمس أبداً عندما يتعلق الأمر بالمظلومين. سأواصل استخدام صوتي للدفاع عن الحقيقة ومساندة من يتعرضون للظلم”.
وتكشف القضية تصاعد الجدل داخل بريطانيا حول حدود حرية التعبير، وتغطية الإعلام لقضايا فلسطين وإسرائيل، واستخدام اتهامات معاداة السامية في الصراع السياسي والإعلامي، وسط مخاوف متزايدة من توظيف حملات التشويه لإسكات الأصوات المؤيدة لفلسطين.
اقرأ المزيد
عائلات ومحامو “خمسة أولم” يتهمون محكمة ألمانية بـ”محاكمة صورية” لناشطين مؤيدين لفلسطين
إعادة محاكمة الناشط الفلسطيني ماجد فريمان في بريطانيا بعد تعذر إدانته بقضايا تتعلق بمنشورات عن غزة
بسبب “التصويت لفلسطين”.. حزب العمال يخسر قلاعه التاريخية ويواجه اتهامات بتطبيع الإسلاموفوبيا

