وطن-قد يبدو ترتيب المنزل بالنسبة لكثيرين مجرد مهمة يومية مرهقة أو عبئاً إضافياً وسط ضغوط الحياة، لكن خبراء في الصحة النفسية يرون أن الفوضى داخل البيت قد تكون انعكاساً مباشراً للحالة الذهنية والعاطفية للإنسان. فطريقة تنظيم المساحات المحيطة بنا لا تؤثر فقط على شكل المنزل، بل تمتد إلى التركيز، والمزاج، والشعور بالراحة والسيطرة على الحياة اليومية.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إن الحديث عن العلاقة بين الترتيب والصحة النفسية يقود غالباً إلى خبيرة التنظيم اليابانية الشهيرة ماري كوندو، التي تحولت إلى رمز عالمي في مجال ترتيب المنازل بعد نجاح كتابها «سحر الترتيب»، الذي غيّر نظرة ملايين الأشخاص إلى مفهوم التنظيم المنزلي.
وبحسب ما نقلته المجلة، تؤكد ماري كوندو أن الترتيب لا يتعلق فقط بتنظيف المكان أو التخلص من الفوضى، بل يهدف أساساً إلى خلق بيئة تمنح الإنسان شعوراً بالسعادة والهدوء أثناء العيش فيها. وتقول: «الهدف من التنظيف ليس التنظيف بحد ذاته، بل الشعور بالسعادة داخل هذا المكان».
الفوضى تستنزف الدماغ وتزيد التوتر
تشير دراسات نفسية وعلمية متزايدة إلى أن الفوضى المنزلية ليست مجرد مسألة جمالية، بل يمكن أن تؤثر مباشرة في طريقة عمل الدماغ. فالعقل البشري يميل بطبيعته إلى النظام والترتيب، وعندما يتعرض باستمرار لمشاهد بصرية مزدحمة وغير منظمة، فإنه يستهلك جزءاً أكبر من طاقته المعرفية لمحاولة معالجة هذا التشويش.
وكشفت منصة «بيب ماد» العلمية أن تراكم الأغراض والفوضى داخل المنزل قد يؤدي إلى زيادة الضغط الذهني وتقليل القدرة على التركيز والانتباه، لأن الدماغ يظل في حالة تنبيه مستمرة وكأنه يتعامل مع مهام غير مكتملة طوال الوقت.
ولا يتوقف الأمر عند الإرهاق الذهني فقط، إذ تشير دراسات إلى وجود علاقة واضحة بين الفوضى المنزلية وارتفاع مستويات التوتر. ففي دراسة نُشرت عام 2010، تبين أن النساء اللواتي وصفن منازلهن بأنها غير مرتبة أظهرن اضطراباً في مستويات هرمون الكورتيزول المرتبط بالضغط النفسي.
ويعني ذلك أن البيئة المنزلية الفوضوية قد تتحول تدريجياً إلى مصدر خفي للقلق والإرهاق، حتى وإن لم يدرك الشخص ذلك بشكل مباشر.
المنزل غير المرتب قد يكون مؤشراً نفسياً
يرى مختصون أن استمرار الفوضى داخل المنزل لفترات طويلة قد يكون أحياناً انعكاساً لحالة من الإنهاك النفسي أو الاكتئاب أو فقدان الدافع. فالشخص الذي يعاني من ضغوط عاطفية أو نفسية يجد صعوبة أكبر في ترتيب محيطه، بينما تؤدي الفوضى بدورها إلى زيادة الإحساس بالعجز وفقدان السيطرة.
وتوضح مجلة «بسيكولوجي» أن هذه العلاقة تعمل في الاتجاهين؛ فالحالة النفسية قد تسبب الفوضى، والفوضى بدورها قد تعمّق التوتر والإرهاق النفسي، لتنشأ دائرة يصعب كسرها مع الوقت.
كيف يساعد الترتيب على تحسين المزاج؟
في المقابل، تؤكد الدراسات أن العيش في بيئة منظمة ومرتبة ينعكس إيجابياً على الصحة النفسية. فالمنزل المرتب يقلل من التشتيت البصري، ويساعد الدماغ على الاسترخاء، كما يمنح شعوراً أوضح بالسيطرة والراحة.
وعندما يعرف الإنسان مكان أغراضه، ويتخلص من الأشياء غير الضرورية، يصبح أكثر قدرة على إنجاز مهامه اليومية بطاقة ذهنية أقل، ما ينعكس على مزاجه وتركيزه وإنتاجيته.
ولا يعني ذلك أن المنزل يجب أن يكون مثالياً طوال الوقت، بل أن يكون مريحاً وقابلاً للحياة دون أن تتحول الفوضى إلى مصدر دائم للتوتر.
فلسفة ماري كوندو.. الاحتفاظ بما يمنحك السعادة
تعتمد ماري كوندو في منهجها الشهير على فكرة بسيطة لكنها مؤثرة: الاحتفاظ فقط بالأشياء التي تمنح الإنسان شعوراً بالفرح أو القيمة الحقيقية.
وتنصح الخبيرة اليابانية بترتيب المنزل وفق الفئات وليس الغرف، أي البدء بالملابس ثم الكتب ثم الأوراق، بدلاً من الانتقال من غرفة إلى أخرى، لأن ذلك يساعد على رؤية حجم الفوضى الحقيقي واتخاذ قرارات أوضح بشأن ما يجب الاحتفاظ به أو التخلص منه.
كما تقترح تخصيص يوم كامل لعملية الترتيب، باعتبارها أشبه بعملية «إعادة ضبط» للمكان وللحالة الذهنية في الوقت نفسه.
ترتيب المنزل ليس رفاهية
بحسب مجلة «بسيكولوجي»، لم يعد ترتيب المنزل مجرد مسألة تتعلق بالنظافة أو المظهر، بل أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بالصحة النفسية وجودة الحياة اليومية.
فالبيت الذي نعيش فيه يؤثر بشكل مباشر على حالتنا المزاجية، وطريقة تفكيرنا، وحتى قدرتنا على الاسترخاء بعد يوم طويل من الضغوط. وبين التخلص من الأشياء الزائدة وتنظيم المساحات المحيطة، قد يجد الإنسان فرصة حقيقية لاستعادة شيء من التوازن والهدوء الداخلي.
اقرأ المزيد
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..
فخ “مغالطة البصيرة”: كيف تبرمج أفكارك عقلك على الفشل؟ وكيف تغير حياتك في دقيقة واحدة؟
4 منتجات أساسية في منزلك يرتفع سعرها “بجنون” بسبب ثورة الذكاء الاصطناعي

