وطن-كشفت شهادات لجنود احتياط إسرائيليين عن عمليات نهب واسعة وتدمير ممنهج لمنازل وممتلكات مدنية في قرى جنوب لبنان، وسط اتهامات لقادة في الجيش الإسرائيلي بالتغاضي عن هذه الممارسات، بل وفشلهم في منعها رغم اتساع نطاقها خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي” نقلا عن صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فإن جنوداً إسرائيليين خدموا في جنوب لبنان تحدثوا عن سرقة ممتلكات من منازل ومتاجر لبنانية، شملت أثاثاً وسجاداً ودراجات نارية وأجهزة تدفئة وبضائع ثمينة، قبل نقلها إلى داخل إسرائيل أو تركها في مواقع عسكرية بانتظار عودة الجنود.
وقال أحد جنود الاحتياط للصحيفة إن “الطريقة كانت دائماً واحدة”، موضحاً أن المهمة الرسمية كانت دخول القرى وتأمينها، لكن “كانت هناك مهمة أخرى غير معلنة، وهي إخراج الغنائم”. وأضاف أن المسروقات كانت تُفرغ في الموقع العسكري، لتكون جاهزة أمام الجنود عندما يعودون إلى منازلهم.
وأشارت صحيفة “هآرتس” إلى أن الوحدة التي تحدث عنها الجندي عملت في قرية لبنانية وصفها بأنها “ثرية”، حيث كان الجنود يبدأون بإطلاق النار على المنازل للتأكد من عدم وجود عناصر من حزب الله داخلها، قبل أن يبدأوا ما وصفه الجندي بـ”المهمة الحقيقية”، وهي البحث عن الأشياء الثمينة.
وبحسب الشهادة، كان الجنود يتجادلون أحياناً حول ما يمكن أخذه من المنازل والمتاجر. وقال الجندي إن القوات نهبت سجاداً وكراسي فاخرة ودراجات نارية ومدافئ من بيوت خاصة، بينما جرى تفريغ محال تجارية من بضائع مرتفعة الثمن. وأضاف: “حتى صابون اليدين في الموقع العسكري كان قادماً من لبنان”.
وتابع الجندي في حديثه إلى هآرتس: “في أي لحظة كان يمكن أن ترى جنوداً يتجولون في القرية وهم يحملون ممتلكات مدنيين. بدا الأمر وكأنه المهمة الأساسية”.
وتأتي هذه الشهادات في ظل تقارير متزايدة عن نهب واسع مارسه جنود إسرائيليون منذ تصاعد القتال بين إسرائيل وحزب الله في مارس الماضي، عقب الحرب الإسرائيلية الأميركية المشتركة على إيران، وفق ما أورده موقع ميدل إيست آي نقلاً عن وسائل إعلام إسرائيلية وتقارير حقوقية.
وكانت صحيفة “هآرتس” قد نشرت الشهر الماضي تقريراً تحدثت فيه عن نهب جنود إسرائيليين أرائك وأجهزة تلفزيون ودراجات نارية من منازل في جنوب لبنان، مع اتهامات لقيادات عسكرية بغض الطرف عن هذه الانتهاكات.
وفي السياق نفسه، أفاد موقع “ينات” الإسرائيلي في وقت سابق من الشهر الجاري بأن القيادة العسكرية تواجه صعوبة في التعامل مع حجم عمليات النهب داخل الجيش. ونقل الموقع عن مسؤولين عسكريين أن الظاهرة اتسعت إلى مستوى بات يثير قلقاً داخل المؤسسة العسكرية.
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الشهر الماضي، إن “ظاهرة النهب، إن كانت موجودة، فهي مخزية وقد تلطخ الجيش بأكمله”. وأضاف خلال مؤتمر عسكري مع كبار القادة: “إذا وقعت مثل هذه الحوادث فسنحقق فيها. لن أقبل أن نتحول إلى جيش من اللصوص”.
لكن القناة “الإسرائيلية 14” ذكرت لاحقاً أن زامير طلب من القادة العاملين في لبنان توقيع رسالة يتعهدون فيها بمنع النهب، إلا أن أحد القادة رفض التوقيع، قائلاً للقناة: “لن أوقع الرسالة”، مضيفاً أن “مشاكل الانضباط في الجيش الإسرائيلي تبدأ من أعلى الرتب”.
وبحسب شهادة جندي الاحتياط التي نشرتها هآرتس، فإن معظم القادة الكبار لم يبدوا اهتماماً حقيقياً بوقف عمليات النهب. وقال الجندي: “كان الموقف العام أن النهب ليس مشكلة ما دمت لا تتعرض للأذى. القيادة العليا لم تحاول فعلاً إيقافنا”.
وأضاف الجندي أنه بعد ظهور تقارير عن النهب في الشهر الماضي، أصدر قائده أوامر للجنود بالتوقف عن السرقة، لكنه دخل بنفسه إلى بعض المتاجر وحطم ما فيها “حتى لا يبقى شيء يمكن للجنود نهبه”، على حد وصفه. وأكد أنه لم يُعاقب أي جندي بسبب هذه الممارسات.
وقالت صحيفة “هآرتس” إن بعض الجنود حاولوا منح عمليات السرقة “تبريراً دينياً”، بينما رأى آخرون أنه لا سبب لترك الأشياء الثمينة خلفهم ما دامت المنازل والمتاجر ستُدمر في النهاية. ونقل التقرير عن أحد الجنود قوله إن الجيش بدا وكأنه “تحول إلى جيش فايكنغ”، يترك الجنود ينهبون “حتى يبقوا راضين ويواصلوا القتال”.
من جهته، قال المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الذي كتب عن نهب الممتلكات الفلسطينية خلال نكبة عام 1948، إن “النهب كان جزءاً من كل حرب إسرائيلية”. وأضاف في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية: “الجديد هو اللامبالاة الكاملة. القيادة العليا تغض الطرف، والجريمة تستمر، وتحقق أهدافها”.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد قال الشهر الماضي إن التقارير الواردة من لبنان تشير إلى “نمط واضح من السرقة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية”. وأضاف المرصد أن القوات الإسرائيلية داهمت منازل وفتشت ممتلكات ونهبت أموال السكان وأغراضهم الشخصية، معتبراً أن هذه الممارسات تبدو وكأنها تحولت إلى “سياسة فعالة للدولة والجيش”.
وبحسب المرصد الأورومتوسطي، لم تقتصر عمليات النهب على جنوب لبنان، إذ وثق أيضاً انتهاكات مشابهة في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة. كما أفادت تقارير في يناير الماضي بأن قوات إسرائيلية استولت على نحو 250 رأساً من الماعز من الأراضي السورية ونقلتها إلى بؤر استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وفي موازاة الحديث عن النهب، كشفت شهادات أخرى حصلت عليها صحيفة هآرتس أن تدمير المنازل في جنوب لبنان كان في كثير من الأحيان هدفاً قائماً بذاته، وليس نتيجة مباشرة للاشتباكات مع حزب الله.
وعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة الشهر الماضي عن وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، فإن القتال استمر على الأرض. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، فرّ نحو 100 ألف لبناني من منازلهم خلال الأيام الأخيرة خشية الضربات الإسرائيلية.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن القوات الإسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 3020 شخصاً منذ بدء الهجوم الأخير في مارس، بينهم 824 شخصاً منذ ما وُصف بوقف إطلاق النار في 17 أبريل. في المقابل، قتل حزب الله ما لا يقل عن 21 جندياً إسرائيلياً منذ مارس، بينهم 8 منذ 17 أبريل، معظمهم من القوات المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية.
لكن شهادات الجنود التي نشرتها هآرتس تشير إلى أن قتال حزب الله لم يكن دائماً الهدف الأساسي للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. وقال جندي احتياط آخر للصحيفة إن المهمة الرئيسية للقوات في بعض المناطق كانت تدمير المنازل.
ووصف الجندي خطاباً ألقاه أحد القادة قبل الاجتياح البري بأنه أشبه بـ”طقس وثني”، مضيفاً أنه سمع خطاباً مشابهاً خلال عمليات عسكرية سابقة في غزة ولبنان. وقال: “عندما دخلنا القرية لم يكن هناك مسلحون. كانت المنازل فارغة. لم يكن هناك قتال على الإطلاق، فقط عمليات لتسوية المنازل بالأرض”.
وأضاف الجندي أن هذه أصبحت مهمة الجيش خلال العامين الماضيين، واصفاً إياه بسخرية بأنه “جيش الدفاع الإسرائيلي لهدم المنازل”. وأكد أن الجنود كانوا يدخلون المنازل أيضاً بحثاً عن مقتنيات ثمينة لسرقتها.
ونقلت “هآرتس” عن الجندي قوله: “لم يكن هناك سبب سوى الانتقام”، موضحاً أن منازل ومدارس وعيادات دُمرت من دون تقديم أي مبرر عسكري واضح. كما أشار إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات الهدم نفذته شركات ومتعهدون خاصون، بينهم “مستوطنون متطرفون”، إضافة إلى عمال بدو ودروز.
وبحسب الشهادة نفسها، كان بعض الجنود المتدينين في الوحدة ينظرون إلى تدمير المنازل باعتباره “المهمة الأسمى”. وعندما كان أحد الجنود يتحدث عن العودة إلى إسرائيل، كان قائد الكتيبة يرد عليه قائلاً: “هذه أيضاً إسرائيل”.
وتعكس هذه الشهادات، وفق ما نشرته هآرتس ونقلته وسائل إعلام أجنبية، صورة متصاعدة من الفوضى والانفلات داخل بعض الوحدات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع اتهامات بالنهب والتدمير والانتقام، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية على الجانب اللبناني من الحدود.
اقرأ المزيد
غضب في واشنطن.. نواب أمريكيون يهاجمون إسرائيل بعد فيديو “تمثال العذراء” في لبنان
شلل بنسبة 80%.. كيف حاصرت مسيّرات “الألياف الضوئية” التابعة لحزب الله جيش إسرائيل؟

