وطن-في قلب الخليج، حيث تمر يومياً مئات ناقلات النفط العملاقة، كانت تتحرك شبكة بحرية معقدة بعيداً عن الأنظار، مستخدمة سفناً بأسماء وأعلام متعددة، وواجهات تجارية متشابكة، لنقل النفط الإيراني إلى الحوثيين في اليمن رغم العقوبات الدولية والحصار البحري.
تحقيق موسع نشره “عربي بوست” كشف تفاصيل ما بات يُعرف بـ”ناقلات الظل”، وهي شبكة تهريب بحرية تعتمد على ناقلات نفط تعمل ضمن منظومة سرية تمتد من الموانئ الإماراتية إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مستفيدة من الفوضى الإقليمية والحرب والعقوبات الغربية المفروضة على طهران.
بداية القصة
القصة بدأت في فبراير 2026 عندما أوقفت السلطات الهندية ثلاث ناقلات نفط مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، بتهمة تهريب النفط الإيراني.
في البداية بدت الحادثة مجرد عملية ضبط روتينية، لكن تتبع حركة السفن لاحقاً كشف شبكة أوسع وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
واعتمد التحقيق على صور أقمار صناعية، وتحليل بيانات التتبع البحري AIS، إضافة إلى سجلات الملكية التجارية وتحركات السفن بين عامي 2023 و2026.
كانت النتيجة صادمة: السفن الثلاث لم تكن تعمل بشكل منفصل، بل كانت جزءاً من شبكة واحدة تنشط عبر الإمارات وصولاً إلى الحوثيين في اليمن.
أسطول بأسماء متعددة
استخدمت الناقلات أسماء وأعلاماً مختلفة، من بينها أعلام مالي ونيكاراغوا وإيران، في محاولة لإخفاء هويتها الحقيقية.
لكن خلف هذه الواجهة تكرر اسم واحد بشكل لافت: شركة “Glory International” المسجلة في رأس الخيمة بالإمارات.
ومن هنا بدأت تتكشف آلية عمل ما يسمى بـ”أسطول الظل”، وهو نظام يعتمد على تغيير أسماء السفن باستمرار، وتبديل أعلامها، ونقل ملكيتها بين شركات واجهة لتضليل الرقابة الدولية.
عمليات نقل سرية في عرض البحر
لم يكن الأخطر هوية السفن فقط ، بل الطريقة التي كانت تُدار بها عمليات نقل النفط. فبحسب التحقيق، جرت عمليات نقل نفط سرية قرب خورفكان والفجيرة، حيث كانت ناقلات تقترب من بعضها لمسافات لا تتجاوز أمتاراً قليلة، ثم تبقى متلاصقة لساعات لنقل النفط بعيداً عن أعين السلطات.
وفي ديسمبر 2025، اقتربت ناقلة تحمل اسم “Global Dominance” من السفينة “Chiltern” حتى أصبحت المسافة بينهما نحو 17 متراً فقط، قبل أن تستمر عملية نقل السوائل لأكثر من ثلاث ساعات في عرض البحر.
هذا النوع من العمليات يُعرف باسم Ship-to-Ship Transfer، ويُستخدم على نطاق واسع في شبكات تهريب النفط الإيرانية للالتفاف على العقوبات.
التلاعب الرقمي وإخفاء الإشارات
لم تعتمد الشبكة على البحر فقط، بل استخدمت أيضاً وسائل رقمية متقدمة للتمويه. فالسفن كانت تغيّر بيانات الغاطس الخاصة بها لإخفاء كمية النفط الحقيقية، بحيث تظهر أحياناً وكأنها فارغة رغم امتلائها بالكامل بالنفط.
وفي أحيان أخرى، كانت الناقلات تطفئ إشارات AIS الخاصة بالتتبع البحري أثناء عمليات التحميل والتفريغ، ثم تعود للعمل بعد انتهاء العملية.
كما اختفت بعض السفن من الرادار لساعات أو أيام كاملة، قبل أن تظهر مجدداً قرب الموانئ اليمنية وقد أفرغت حمولتها بالكامل.
الإمارات نقطة العبور
رصد التحقيق نمطاً متكرراً لتحركات السفن، إذ كانت تنطلق من الحمرية أو الفجيرة أو خورفكان في الإمارات، قبل أن تتجه نحو موانئ الحديدة والصليف والمكلا في اليمن.
وبذلك، تحولت الموانئ الإماراتية إلى نقطة تحميل أو عبور رئيسية، بينما كانت الموانئ الخاضعة للحوثيين تمثل الوجهة النهائية لشحنات النفط.
رجال الأعمال خلف الشبكة
كشف التحقيق أيضاً أسماء شخصيات مرتبطة بإدارة الشبكة، أبرزهم رجل الأعمال الهندي “Jugwinder Singh Brar”، الذي ارتبط بعدد من الشركات والناقلات المشاركة في عمليات التهريب.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عليه عقوبات عام 2025، متهمةً إياه بتنسيق عمليات تهريب النفط الإيراني لصالح الحوثيين باستخدام ناقلات صغيرة وأساليب تمويه بحرية.
كما ربط التحقيق الشبكة بشركات تخزين وتجارة مشتقات نفطية في رأس الخيمة وخورفكان، بعضها تورط في عمليات تصدير بمئات ملايين الدولارات.
الحرب والحصار زادا النشاط
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 2026، دخلت الشبكة مرحلة أكثر خطورة. فبعد فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، بدأت ناقلات مرتبطة بالشبكة بالتمركز قرب مضيق هرمز وخليج عمان، مع انقطاعات متكررة في إشارات التتبع.
وفي الوقت نفسه، كانت إيران تخزن ملايين البراميل فوق ناقلات عائمة في البحر، بينما واصل “أسطول الظل” نقل النفط عبر المسارات السرية رغم العقوبات.
شبكة تتجاوز مجرد التهريب
ما كشفه التحقيق لا يتعلق فقط بعمليات تهريب نفط تقليدية، بل بمنظومة بحرية متكاملة تتحرك بين الحرب والعقوبات والمال والسلاح.
شبكة تستخدم البحر كمنطقة رمادية مفتوحة، وتستفيد من الثغرات القانونية والتقنية والجغرافية، للحفاظ على تدفق النفط الإيراني نحو الحوثيين رغم كل القيود الدولية.
وفي ظل استمرار التوترات في الخليج، يبدو أن “ناقلات الظل” لم تعد مجرد سفن مجهولة في عرض البحر، بل تحولت إلى جزء من معركة النفوذ والطاقة والصراع الإقليمي الممتد من طهران إلى اليمن.
اقرأ المزيد

