وطن-أعادت مسيرات نظمها أنصار ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي في عدد من المدن الأوروبية، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى واجهة النقاش الإيراني ذاكرة جهاز «السافاك»؛ جهاز الاستخبارات سيئ السمعة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، والمتهم تاريخياً بالتعذيب والقمع وملاحقة المعارضين.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن مؤيدين لرضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، خرجوا في مسيرات بزي عسكري أو شبه عسكري في مدن أوروبية عدة، حاملين صوراً كبيرة له، وأعلاماً ورموزاً مرتبطة بجهاز «السافاك»، الذي ظل اسمه لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين مرادفاً للاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن المشاركين في تلك المسيرات رفعوا شعارات تطالب بعودة رضا بهلوي إلى السلطة، كما دعوا إلى استمرار الضربات ضد إيران، في وقت كان فيه بهلوي قد أعلن دعمه للضربات الإسرائيلية والأميركية على بلاده خلال الحرب الأخيرة.
مسيرة لندن ورايات «السافاك»
وأوضحت «ميدل إيست آي» أن الملكيين الإيرانيين نظموا مسيرة في لندن يوم 26 أبريل، بعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ظهر خلالها المشاركون بملابس سوداء بالكامل، وساروا في صفوف منتظمة تشبه العروض العسكرية، واضعين أذرعهم خلف ظهورهم، وهم يهتفون: «يحيا الشاه».
وأضافت الصحيفة أن بعض المشاركين غطوا وجوههم بأقنعة سوداء، فيما تقدمت المسيرة راية تحمل رموز «السافاك»، في مشهد أثار غضباً واسعاً بين معارضين إيرانيين، خصوصاً ممن عايشوا حقبة حكم الشاه أو خبروا روايات ضحاياها داخل عائلاتهم.
ولم تقتصر هذه المظاهر على لندن. فبحسب الصحيفة، شهدت كوبنهاغن في 9 مايو فعالية مشابهة، ارتدى فيها المشاركون زياً عسكرياً بلون كاكي، قبل أن تظهر مسيرة أخرى في مدينة ريغنسبورغ الألمانية، ارتدى فيها مشاركون قمصاناً تحمل شعار «السافاك».
جهاز تأسس بدعم أميركي وإسرائيلي
وتشير «ميدل إيست آي» إلى أن منظمة الأمن والاستخبارات الوطنية الإيرانية، المعروفة اختصاراً بالفارسية باسم «السافاك»، تأسست عام 1957 بمساعدة من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» وجهاز «الموساد» الإسرائيلي، لتصبح الأداة الرئيسية لقمع المعارضة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي.
ووفقاً لما نقلته الصحيفة عن منظمات حقوقية دولية، فقد ارتبط اسم «السافاك» بسلسلة واسعة من الانتهاكات، من بينها الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والتعذيب داخل السجون، والضغط على عائلات السجناء السياسيين، وترهيب المعارضين الإيرانيين في الخارج.
وفي تقرير صدر عام 1976، وثقت منظمة العفو الدولية انتهاكات منسوبة إلى «السافاك»، شملت التعذيب والقتل، ووصفت الجهاز بأنه كان يعمل «بقسوة بالغة».
«تعذيب».. الكلمة الأولى لدى المعارضين
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إنها سألت عدداً من الشخصيات الإيرانية المعارضة عمّا يستحضره اسم «السافاك» وهذه المسيرات الأخيرة في أذهانهم، فجاءت الإجابة متطابقة تقريباً: التعذيب.
وعلى الرغم من أن بعض المعارضين الإيرانيين المولودين بعد الثورة الإسلامية عام 1979 لم يعيشوا مباشرة فترة حكم الشاه، فإنهم وصفوا هذه المسيرات للصحيفة بأنها «عرض مهرجين»، و«سم خالص»، و«رد فعل بائس على فقدان الزخم».
ونقلت الصحيفة عن معارض إيراني يبلغ من العمر 27 عاماً ويعيش داخل إيران قوله: «لم أستطع التوقف عن الضحك عندما رأيتهم يرتدون قمصاناً تحمل شعار السافاك. كان بإمكانهم اختيار أي رمز مرتبط بالمعرفة أو التغيير أو الحرية أو العدالة. أي شيء. لكن السافاك؟ حقاً؟».
غير أن الأجيال الأكبر سناً، بحسب «ميدل إيست آي»، تنظر إلى هذه المشاهد بقلق مختلف تماماً، إذ ترى فيها استعادة رمزية لمرحلة ارتبطت في الذاكرة السياسية الإيرانية بالخوف والقمع المنظم.
تراجع دعم الملكيين بعد الحرب
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد خسر الملكيون الإيرانيون جزءاً كبيراً من دعمهم داخل إيران منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، بينما اتجه أنصارهم في الخارج إلى خطاب أكثر حدة، شمل مهاجمة معارضي الحرب عبر الإنترنت وفي مقابلات مباشرة.
وأضافت «ميدل إيست آي» أن بعض المؤيدين لرضا بهلوي واجهوا أشخاصاً رفعوا لافتات مناهضة للحرب خلال مظاهرات نظمتها مجموعات إيرانية معارضة أخرى، في مؤشر على تصاعد التوتر داخل الشتات الإيراني بين تيارات ترفض التدخل العسكري وأخرى تراهن عليه لتغيير النظام.
ويرى بهروز فرهاني، وهو ناشط إيراني مخضرم معارض للجمهورية الإسلامية ويعيش في المنفى بباريس، أن المسيرات الأخيرة للملكيين تأتي ضمن نمط أوسع من العداء تجاه قوى معارضة أخرى.
وقال فرهاني للصحيفة: «أي شخص يمتلك ذاكرة تاريخية، وأي شخص يعرف صعود الفاشية في إيطاليا وألمانيا، سيفكر فوراً في هذه الحركات. عندما رأيت المسيرة بالملابس السوداء، تذكرت أنصار موسوليني في إيطاليا والميليشيات المؤيدة لهتلر في ألمانيا».
تقارب مع اليمين المتطرف الأوروبي
وأوضح فرهاني، الذي أمضى نحو 20 عاماً في تنظيم أنشطة ضد الجمهورية الإسلامية وعمل مع نقابات عمالية في فرنسا، أن المناخ السياسي الحالي في دول الشمال العالمي يسمح بعودة مثل هذه الأفكار إلى الواجهة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، يرى فرهاني أن كثيراً من الأحزاب الحاكمة في أوروبا والولايات المتحدة لديها «ميل يميني متطرف نحو الفاشية»، وهو ما يفسر، من وجهة نظره، قدرة الملكيين الإيرانيين على التحرك بحرية أكبر في هذه الدول.
وأضاف أن هذه العروض لا تستهدف فقط ترهيب جماعات المعارضة الأخرى وإسكات الأصوات المخالفة داخل الجالية الإيرانية، بل تسعى أيضاً إلى تحقيق هدفين رئيسيين.
الأول، وفق فرهاني، هو جذب الإيرانيين الأصغر سناً الذين لم يعيشوا عصر الشاه ولا يعرفون حجم القتل والعنف والتعذيب الذي مارسه «السافاك». وقال: «هذه الفعاليات مصممة للوصول إلى أشخاص لا يعرفون أن السافاك كان نظاماً تركزت فيه كل أشكال الوحشية والقمع».
أما الهدف الثاني، بحسب قوله للصحيفة، فهو بناء صلات مع حركات اليمين المتطرف في أوروبا. وأضاف: «يريدون إرسال إشارة إلى الأحزاب الفاشية واليمينية المتطرفة في السلطة بأنهم يتبنون الرؤى نفسها، من أجل الحصول على دعمها».
عائلات الضحايا ترى المشهد إنذاراً
ونقلت «ميدل إيست آي» عن سودابه جزني، وهي سجينة سياسية سابقة في عهد الجمهورية الإسلامية وتعيش حالياً في المنفى بالولايات المتحدة، قولها إن أول ما تبادر إلى ذهنها عندما شاهدت لقطات المسيرات هو الجماعات التي أيدت موسوليني وهتلر.
وتحمل جزني ذاكرة شخصية مؤلمة مع «السافاك». فقد أُعدم شقيقها بيجن جزني وعمها سعيد «مشعوف» كلانتري، إلى جانب سبعة سجناء سياسيين آخرين، من دون محاكمة عام 1975 في التلال الواقعة شمال طهران على يد عناصر من الجهاز. ولم يُسمح لعائلتها بإقامة جنازة لهم.
وقالت جزني للصحيفة إن العروض العسكرية التي ينظمها الملكيون يجب أن تدفع الإيرانيين إلى التفكير في شكل المستقبل إذا وصل هؤلاء إلى السلطة. وأضافت: «هؤلاء الناس، وهم لا يملكون السلطة بعد، يخلقون الخوف والرعب. الذين لم يعيشوا إيران تحت حكم الشاه عليهم أن يسألوا أنفسهم ماذا سيفعل هؤلاء إذا وصلوا إلى الحكم».
وبحسب «ميدل إيست آي»، تعتقد جزني، مثل فرهاني، أن رضا بهلوي وأنصاره، المدعومين سياسياً ومالياً من بعض المجموعات الإيرانية ويحظون بدعم إسرائيلي، يحاولون إعادة كتابة التاريخ بصورة مشوهة لاستمالة الأجيال الأصغر.
لكن ما أثار دهشتها أكثر، كما قالت، هو حرية تحركهم في أوروبا. وأضافت: «صُدمت حقاً عندما رأيت هؤلاء يسيرون بشعار السافاك في ألمانيا. ألمانيا لديها تاريخها الخاص مع هذا النوع من الماضي، ومن المستغرب أن يُسمح بمثل هذه الاستعراضات بهذا الوضوح. يجب على منظمات حقوق الإنسان أن تتحرك».
تهديد بألبوم صور لجثث معذبة
واستعادت جزني، في حديثها مع «ميدل إيست آي»، إحدى تجاربها مع جهاز استخبارات الشاه. ففي عام 1975، وبعد تقديمها واجب العزاء لعائلة سجين سياسي آخر قتله «السافاك»، اعتقلها عناصر الجهاز.
وقالت إنها خلال التحقيق عُرض عليها ألبوم صور يحتوي على أجساد معذبة وصور سجناء سياسيين قُتلوا. وتابعت: «أعطاني المحقق الألبوم وقال: سأمنحك وقتاً لتنظري جيداً. إذا لم تتكلمي فسيكون مصيرك مثلهم».
وأضافت جزني: «عندما أسمع اسم السافاك أشعر بالغضب، لأنهم دمّروا عائلتي. بالنسبة لي، السافاك يعني الدمار والمعاناة والتعذيب».
ذاكرة الخوف داخل إيران
وتحدثت الصحيفة أيضاً إلى أستاذ في علم الاجتماع يعيش داخل إيران، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، وكان قد اعتُقل في عهد الشاه بسبب امتلاكه منشوراً سياسياً، وقضى عاماً في السجن.
وقال الأكاديمي، الذي يعارض في الوقت نفسه حكام إيران الحاليين والشاه، إنه تعرض لما وصفه بـ«تعذيب ناعم» على يد «السافاك»، شمل الحرمان من النوم، وإجباره على الوقوف لساعات طويلة، وشد شاربه وشعره وأذنيه.
وأضاف لـ«ميدل إيست آي» أن جهاز «السافاك» خلق مناخاً من الخوف الشامل في المجتمع الإيراني. وقال: «المحادثة التي نجريها الآن، في عهد الشاه، كان حتى الأب والابن يخافان من خوضها، لأن الاعتقاد السائد كان أن السافاك قد يكون يستمع، وأن ذلك قد يؤدي إلى الاعتقال والتعذيب».
وأشار الأكاديمي إلى أن المسيرات التي شوهدت في مدن أوروبية خلال الأسابيع الأخيرة ليست بلا سوابق تاريخية، إذ شهدت إيران في أوائل خمسينيات القرن الماضي فعاليات مشابهة نظمها مؤيدون للشاه.
وكان يشير بذلك إلى جماعة «سومكا»، وهي جماعة موالية للشاه وذات نزعة نازية جديدة، استندت إلى فكرة التفوق العرقي الآري الإيراني. وهاجمت هذه الجماعة تجمعات قومية ويسارية بالعصي والسكاكين خلال فترة الانفتاح السياسي النسبي التي أعقبت نفي الشاه وسبقت انقلاب عام 1953 المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، والذي أطاح رئيس الوزراء محمد مصدق.
وبعد عودة الشاه إلى السلطة بدعم أميركي وبريطاني، تأسس «السافاك» لتشديد السيطرة على الطلاب والنشطاء السياسيين والمثقفين، وحتى الشعراء، وفق ما أوردته الصحيفة.
«صورة الشاه على الجدار»
ونقلت «ميدل إيست آي» عن كاتب إيراني يعيش داخل البلاد، قال إنه خضع للاستجواب من أجهزة استخبارات قبل ثورة 1979 وبعدها بسبب أعماله الأدبية، إن ذكرياته عن «السافاك» ما زالت مرتبطة بغرفة التحقيق.
وقال الكاتب: «اسم السافاك يذكرني بالرعب والتعذيب؛ عندما كنت أجلس في غرفة تحقيق أنتظر المحقق، وأنظر إلى صورة الشاه المعلقة على الجدار».
واستشهد الكاتب بقصيدة للشاعر الإيراني الحديث مهدي أخوان ثالث، الذي تعرض هو أيضاً للاعتقال والاستجواب على يد «السافاك»، معتبراً أنها من أوضح التعبيرات عن وحشية الجهاز والذاكرة المستمرة لمن واجهوه.
وختمت «ميدل إيست آي» إلى أن مسيرات أنصار رضا بهلوي في أوروبا لم تكن مجرد تجمعات سياسية عابرة، بل فتحت جرحاً قديماً في الذاكرة الإيرانية، حيث لا يزال اسم «السافاك» بالنسبة لكثيرين مرادفاً للرعب، بينما يحاول جيل جديد من الملكيين تقديم رموزه بوصفها جزءاً من مشروع سياسي مستقبلي، في مشهد يزيد الانقسام داخل المعارضة الإيرانية وفي أوساط الشتات.
اقرأ المزيد
سيرك هوليوودي.. كيف حوّل الإعلام الغربي حرب إيران إلى مسلسل درامي بطلُه أحمدي نجاد؟
تسريبات نيويورك تايمز: هل خططت أميركا لتنصيب أحمدي نجاد بديلاً لنظام إيران؟
سلاح العاطفة.. هل تنجح رموز عاشوراء في إنقاذ شرعية النظام الإيراني وسط أزماته الخانقة؟

