وطن-صعّدت إسرائيل، الأحد، لهجتها الدبلوماسية تجاه إسبانيا، بعد مشاهد عنيفة رافقت استقبال عدد من أعضاء «أسطول الصمود العالمي» في مطار بلباو، حيث اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حكومة بيدرو سانشيز بممارسة ما وصفه بـ«نفاق يصعب تصديقه»، في ظل انتقادات مدريد المتكررة للعمليات الإسرائيلية في غزة، مقابل صمتها، بحسب تل أبيب، على تدخل الشرطة الباسكية ضد متضامنين مع فلسطين.
وقالت وكالة «أوروبا برس» إن الجدل اندلع عقب انتشار مقاطع فيديو صُوّرت خلال وصول بعض الناشطين إلى إقليم الباسك، بعد أيام من اعتراض إسرائيل للأسطول الذي كان يحاول الوصول إلى سواحل غزة. وأظهرت المقاطع عناصر من شرطة إقليم الباسك «إرتزاينتزا» وهم يطرحون بعض المشاركين أرضاً، ويستخدمون الهراوات، ويسحبون عدداً من الحاضرين خلال عملية الاستقبال في مطار بلباو.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، انتهت تلك الأحداث بتوقيف أربعة أشخاص، وُجهت إليهم اتهامات تتعلق بالعصيان الخطير، ومقاومة السلطات، والاعتداء على موظف عام أثناء أداء مهامه، في وقت تحولت فيه الواقعة إلى أزمة سياسية وأمنية داخل إقليم الباسك، وإلى مادة جديدة في الخلاف المتصاعد بين مدريد وتل أبيب.
واستغل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تلك المشاهد لتوجيه هجوم مباشر إلى حكومة بيدرو سانشيز. وقال ساعر، في مقطع فيديو نشرته وزارة الخارجية الإسرائيلية: «لو كانت هناك بطولة عالمية لتشويه إسرائيل ونشر افتراءات الدم ضد دولة إسرائيل، أعتقد أن حكومة سانشيز كانت ستفوز بالمركز الأول بسهولة». وأضاف: «لكن عندما نرى ما يحدث في فناء بيتهم الخلفي، وهو أمر لا يحدث عندنا.. هل تسمعون شيئاً؟ صراصير الليل. إنه نفاق لا يمكن تصديقه».
ولم تكتفِ إسرائيل بالتصريحات العلنية، إذ استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية القائمة بالأعمال في السفارة الإسبانية لدى إسرائيل، فرانسيسكا بيدروس، لطلب توضيحات بشأن أداء الشرطة خلال أحداث مطار بلباو. وقالت الخارجية الإسرائيلية، وفق ما نقلته تقارير إسبانية، إن الحكومة الإسبانية «تسارع دائماً إلى إدانة إسرائيل لأي سبب»، بينما تتجنب التعليق على تدخل الشرطة الباسكية ضد مشاركين في استقبال ناشطي الأسطول.
وأضافت الخارجية الإسرائيلية أن مدريد، من وجهة نظرها، تتعامل بمعايير مزدوجة مع القضايا المرتبطة بفلسطين وإسرائيل، معتبرة أن مشاهد بلباو تكشف تناقضاً بين خطاب الحكومة الإسبانية المنتقد لإسرائيل، وبين تعامل السلطات المحلية مع المتضامنين مع غزة.
وبحسب ما أوردته وكالة «أوروبا برس»، اتهم المدير السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية يوسي عمراني إسبانيا بـ«إرسال مستفزين إلى إسرائيل»، ثم انتقاد الإجراءات الإسرائيلية ضد الأسطول، في حين أن السلطات الإسبانية نفسها، وفق قوله، استخدمت «عنفاً شديداً» ضد المشاركين ذاتهم عند عودتهم إلى البلاد.
وتذهب الرواية الإسرائيلية إلى أبعد من ذلك، إذ تقول تل أبيب إن قوات الأمن الإسبانية لجأت إلى مستوى من العنف لم تستخدمه إسرائيل خلال اعتراض السفينة. غير أن هذه الرواية الإسرائيلية تقابلها اتهامات من جهات حقوقية ومحامين مثلوا بعض أعضاء الأسطول، بشأن ما تعرض له ناشطون أثناء احتجازهم لدى السلطات الإسرائيلية.
فقد أكد محامو مركز «عدالة» القانوني، الذي تولى تمثيل عدد من المشاركين في «أسطول الصمود»، أن بعض الناشطين تعرضوا، بحسب شهاداتهم، لإصابات خطيرة بينها كسور محتملة في الأضلاع، وصعقات بمسدسات كهربائية، واعتداءات بالضرب، وانتهاكات ذات طابع جنسي، إضافة إلى إجبارهم على أوضاع جسدية مرهقة خلال فترة احتجازهم لدى إسرائيل.
كما تحدث محامو «عدالة» عن استخدام قنابل صوتية وظروف احتجاز مكتظة خلال توقيف النشطاء، وهي اتهامات تزيد من تعقيد السجال بين الطرفين، خصوصاً في ظل استمرار الغضب الشعبي والسياسي في إسبانيا من الحرب الإسرائيلية على غزة، وتنامي حملات التضامن مع الفلسطينيين في عدة مدن أوروبية.
وفي الداخل الإسباني، فتحت أحداث مطار بلباو أزمة حادة في إقليم الباسك. وذكرت وكالة «أوروبا برس» أن مئات الأشخاص خرجوا، الأحد، في تظاهرة جابت شوارع بلباو بدعوة من منصة «Global Sumud Euskal Herria»، احتجاجاً على تدخل شرطة «إرتزاينتزا» خلال استقبال الناشطين، واتهاماً للشرطة الباسكية والحكومة الإقليمية بالتصرف كـ«شركاء للصهيونية»، وفق شعارات المتظاهرين.
وردد المشاركون في المسيرة هتافات ضد إسرائيل، وضد شرطة الإقليم، وضد الحزب القومي الباسكي، في حين لم تُسجل حوادث عنف خلال التظاهرة، بحسب ما نقلته وكالة «أوروبا برس». وأكدت المنصة المنظمة أن الصور المتداولة «تتحدث عن نفسها»، معتبرة أن التدخل الأمني كان يهدف إلى «قطع التضامن» مع فلسطين ومنع التعبير الشعبي عن دعم غزة.
وقالت منصة «Global Sumud Euskal Herria» إن عمليات استقبال سابقة لأعضاء في الأسطول داخل مطار لويُو لم تشهد حوادث مماثلة، ما عزز الاتهامات الموجهة إلى السلطات الباسكية بشأن طبيعة التعامل الأمني هذه المرة، خصوصاً أن القضية جاءت في سياق حساس تشهد فيه إسبانيا نقاشاً واسعاً حول الحرب في غزة والعلاقات مع إسرائيل.
سياسياً، تصاعد الضغط على حكومة إقليم الباسك بعد انتشار الصور ومقاطع الفيديو. فقد أقر وزير الأمن في الحكومة الباسكية، بينغن زوبيريا، الأحد، بأن المشاهد التي ظهرت في التسجيلات «تثير القلق»، معرباً عن أسفه لما وصفه بـ«الشحنات الأمنية والمواقف» التي حدثت أثناء العملية.
ومع ذلك، دافع زوبيريا عن جانب من أداء الشرطة، قائلاً إن بعض الحاضرين قاموا بتصرفات «استفزازية بحتة»، مضيفاً أن «هذا ليس الأسلوب المناسب لحل النزاعات». وأعلن تحمله «المسؤولية السياسية بشكل شخصي» عما جرى، في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد داخل الإقليم.
وبحسب ما أوردته وكالة «أوروبا برس»، فتحت إدارة الشؤون الداخلية في شرطة «إرتزاينتزا» تحقيقاً لمراجعة ما إذا كان تدخل العناصر الأمنية في مطار بلباو قد التزم بالبروتوكولات المعمول بها، أم أن القوة المستخدمة تجاوزت الحدود المسموح بها قانونياً.
وتأتي هذه التطورات في ظل توتر مستمر بين إسرائيل وإسبانيا على خلفية موقف حكومة بيدرو سانشيز من حرب غزة، واعتراف مدريد بدولة فلسطين، وانتقاداتها المتكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية. أما حادثة مطار بلباو، فقد منحت تل أبيب فرصة جديدة لتصعيد خطابها ضد الحكومة الإسبانية، بينما وجدت مدريد نفسها أمام اختبار داخلي يتعلق بحرية التظاهر، والتعامل الأمني مع الحركات الداعمة لفلسطين.
اقرأ ايضاً
سادية وفيديو بن غفير.. شهادات صادمة لـ 430 ناشطاً رُحِّلوا بعد اقتحام أسطول غزة

