وطن-في السادس والعشرين من مايو، يستعيد اللبنانيون ذكرى عيد التحرير، اليوم الذي ارتبط بانسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بعد احتلال دام قرابة عقدين، وبصعود رواية «المقاومة» التي رسخها حزب الله باعتبارها النموذج العربي الوحيد الذي نجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب بالقوة.
لكن هذه الذكرى تأتي هذا العام وسط مشهد مختلف تماماً؛ جنوب مشتعل، آلاف القتلى والنازحين، واحتلال يتوسع مجدداً، فيما يبدو لبنان وكأنه عاد سنوات طويلة إلى الوراء.
وبحسب مقال نشرته صحيفة «ذا ناشيونال»، فإن ما كان يُنظر إليه قبل 26 عاماً باعتباره انتصاراً تاريخياً تحول اليوم إلى سؤال كبير حول معنى التحرير نفسه، وحول مصير جنوب لبنان الذي يعيش من جديد تحت وطأة الحرب والنزوح والدمار.
من الانتصار إلى العودة لنقطة الصفر
شكّل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 لحظة مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث، إذ عزز صورة حزب الله بوصفه قوة استطاعت عبر حرب العصابات والصمود الشعبي إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب.
غير أن صحيفة «ذا ناشيونال» ترى أن الحزب بدّد خلال الأشهر الأخيرة جزءاً كبيراً مما راكمه طوال عقود، بعدما دفع البلاد نحو مواجهة مفتوحة أعادت الجنوب إلى أجواء التسعينيات: احتلال جديد، غارات يومية، نزوح جماعي، وخوف دائم من اتساع الحرب.
وتقول الصحيفة إن لبنان يعيش اليوم حالة استنزاف غير مسبوقة، بينما تبدو المناطق الجنوبية وكأنها خرجت من الزمن اللبناني الطبيعي لتتحول إلى ساحة حرب دائمة.
الجنوب تحت النار
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في 16 أبريل، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بحسب ما أوردته الصحيفة.
فقد عاد كثير من السكان إلى قراهم لتفقد منازلهم وأراضيهم، قبل أن يضطروا إلى المغادرة مجدداً بسبب استمرار الغارات الجوية والهجمات بالطائرات المسيّرة وعمليات القصف اليومية.
وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تواصل توسيع وجودها العسكري داخل الجنوب، مع استمرار أوامر الإخلاء القسري واستهداف القرى والمناطق السكنية.
وبحسب صحيفة «ذا ناشيونال»، قُتل أكثر من 3100 شخص في لبنان منذ الثاني من مارس، فيما تجاوز عدد النازحين مليون شخص، يعيش كثير منهم في مدارس ومراكز إيواء وشقق مؤقتة وسط ظروف اقتصادية خانقة.
حزب الله يعود إلى حرب العصابات
في المقابل، عاد حزب الله إلى الأسلوب العسكري الذي ميّزه تاريخياً: حرب العصابات ضد القوات الإسرائيلية.
وترى الصحيفة أن استخدام الحزب للطائرات المسيّرة حقق تأثيراً واضحاً على القوات الإسرائيلية، سواء عسكرياً أو نفسياً، إلى درجة أن وسائل الإعلام الإسرائيلية باتت تتحدث بشكل متكرر عن صعوبة مواجهة هذا النوع من الهجمات.
لكن، ورغم هذه الفعالية، يبدو أن ميزان الحرب لا يميل بصورة حاسمة لصالح الحزب، خاصة في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الدولي الواسع الذي تحظى به تل أبيب.
استنزاف داخلي غير مسبوق
تقول «ذا ناشيونال» إن الأزمة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة مجتمعية وإنسانية عميقة داخل البيئة الحاضنة لحزب الله.
فالجنوب اللبناني يعيش حالة إنهاك كاملة؛ العائلات بلا استقرار، والموارد المالية تتآكل، والخوف من المستقبل يزداد يوماً بعد يوم.
وتضيف الصحيفة أن كثيراً من اللبنانيين باتوا يدركون أن السلاح وحده لم يعد كافياً لإعادة السكان إلى بيوتهم أو لحماية الجنوب من الدمار المستمر، خصوصاً في ظل الاصطفاف الدولي إلى جانب إسرائيل.
فقدان الردع
بحسب المقال، تكمن المعضلة الأساسية في أن حزب الله انتقل من دور «قوة ردع محلية» إلى لاعب إقليمي مرتبط بالمشروع الإيراني، وهو ما أدى تدريجياً إلى تراجع وظيفته الأساسية داخل لبنان.
وترى الصحيفة أن الحزب، عندما انخرط في الحسابات الإقليمية الأوسع، فقد جزءاً من قدرته على حماية الداخل اللبناني وردع إسرائيل بالشكل الذي كان يروج له سابقاً.
وتضيف أن خسارة الردع ترافقت مع خسارة الأرض وتفاقم معاناة المدنيين، ما جعل الجنوب يعيش اليوم واحدة من أصعب مراحله منذ سنوات طويلة.
يوميات الحرب في الجنوب
وتصف الصحيفة المشهد اليومي في جنوب لبنان بأنه سلسلة متواصلة من الغارات والدمار والخوف. فخلال ساعة واحدة فقط، نقل الإعلام الرسمي اللبناني أخباراً عن غارات إسرائيلية على النبطية، وقصف بالفوسفور على بلدات عدة، وإصابة مدنيين قرب محطات وقود ومناطق سكنية.
أما الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، فلم تعد مجرد أداة مراقبة، بل تحولت إلى حضور دائم في السماء اللبنانية، ترسل، بحسب وصف الصحيفة، رسالة مستمرة للسكان بأن الحرب لا تزال مفتوحة وأن الموت قد يأتي في أي لحظة.
عيد التحرير يتحول إلى سؤال مفتوح
هكذا، يأتي عيد التحرير هذا العام مختلفاً عن كل الأعوام السابقة. فبدلاً من الاحتفال بذكرى انسحاب إسرائيل من الجنوب، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع يعيد طرح الأسئلة القديمة: هل تحقق التحرير فعلاً؟ وهل يستطيع الجنوب الخروج مجدداً من دائرة الاحتلال والحرب؟ أم أن لبنان دخل مرحلة جديدة من الاستنزاف الطويل الذي لا تبدو نهايته قريبة؟
اقرأ المزيد
ضربة استباقية أم مغامرة؟ لماذا هاجم حزب الله إسرائيل وماذا وراء “انفصال” بري عن الحزب؟
من فرحة عام 2000 إلى خيام “البيال”.. كيف يحيي نازحو جنوب لبنان ذكرى التحرير تحت أصوات المسيّرات؟
من غزة إلى جنوب لبنان.. شهادات إسرائيلية تكشف كواليس تحول عمليات الجيش إلى “سياسة نهب ممنهجة”

