وطن-في تطور لافت يعكس حجم التوتر داخل الإدارة الأميركية تجاه مسقط، كشفت صحيفة ميدل إيست آي أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح، الأربعاء، بمهاجمة عُمان إذا وافقت على التعاون مع إيران في فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، ضمن أي تسوية محتملة لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وقالت الصحيفة البريطانية إن تصريحات ترامب جاءت لتكشف جانباً من حالة الاستياء التي تراكمت داخل الإدارة الأميركية منذ أشهر تجاه الدور العُماني، في وقت تبدو فيه السلطنة لاعباً لا غنى عنه في أي ترتيبات تتعلق بالمضيق الحيوي، الذي تمر عبره كميات ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن ترامب قوله إن مضيق هرمز “سيبقى مفتوحاً أمام الجميع”، مضيفاً أن “لا أحد سيسيطر عليه.. إنها مياه دولية”. ثم تابع بلهجة تهديدية: “عُمان ستتصرف مثل الجميع، وإلا فسنضطر إلى تفجيرهم”، في إشارة إلى رفض واشنطن أي صيغة تمنح طهران أو مسقط نفوذاً إضافياً على حركة الملاحة في المضيق.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تضغط إيران منذ فترة من أجل تثبيت حقها في فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، باعتبار ذلك جزءاً من أي اتفاق ينهي الحرب الدائرة ضدها. غير أن موقع عُمان الجغرافي يجعل موافقتها أو تعاونها عاملاً حاسماً في نجاح أي خطة من هذا النوع، إذ لا تطل على المضيق بمياه إقليمية سوى إيران وسلطنة عُمان.
وتوضح الصحيفة أن مضيق هرمز لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً بحرياً في أضيق نقطة، بينما تتيح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للدول الساحلية المطالبة بمياه إقليمية تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً. وبذلك تتداخل الأهمية القانونية والجغرافية لعُمان وإيران في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وعلى الرغم من أن الدول المطلة على المضائق الدولية لا يحق لها، وفق القواعد البحرية، منع المرور أو فرض رسوم عبور مباشرة على السفن داخل مياهها الإقليمية، فإن خبراء قانونيين قالوا لـميدل إيست آي إن هناك صيغاً متعددة يمكن لإيران استخدامها إذا حصلت على تعاون عُمان، مثل فرض “رسوم إرشاد ملاحي” أو “رسوم مقابل خدمات” تقدم للسفن المارة.
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة بلومبرغ في وقت سابق من الشهر الجاري عن السفير الإيراني لدى فرنسا، محمد أمين نجاد، قوله إن طهران ومسقط تعملان على خطة يمكن أن تمهد لإنهاء الحرب. وتشير ميدل إيست آي إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفاً موقعاً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يزيد التعقيد القانوني والسياسي حول الملف.
وتقول الصحيفة إن الغضب الأميركي من عُمان لا يرتبط فقط بمسألة مضيق هرمز، بل يعود أيضاً إلى موقف مسقط من الحرب على إيران. فعلى مدى سنوات، حرصت السلطنة على تقديم نفسها وسيطاً إقليمياً هادئاً، خصوصاً في الملفات المعقدة بين واشنطن وطهران.
وكانت عُمان، وفق “ميدل إيست آي”، القناة الرئيسية للتواصل بين الولايات المتحدة وإيران قبل أن تشن إسرائيل هجوماً على الجمهورية الإسلامية في يونيو 2025 بمشاركة أميركية، رغم أن مفاوضات بين واشنطن وطهران كانت مقررة في ذلك الوقت على الأراضي العُمانية.
كما حاولت مسقط لعب دور وساطة جديد قبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي الذي وقع في 28 فبراير، والذي تقول الصحيفة إنه شكّل بداية الحرب الحالية. وعلى خلاف أدوار أكثر صخباً تقوم بها قطر والسعودية والإمارات، تميل عُمان عادة إلى العمل خلف الكواليس، لكن حجم التصعيد دفع وزير خارجيتها بدر بن حمد البوسعيدي إلى الخروج علناً عشية الهجوم عبر شبكة CBS News، مطالباً بمنح المفاوضات مزيداً من الوقت.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن الوزير العُماني كتب في مارس مقال رأي في مجلة The Economist حذر فيه من أن الولايات المتحدة تخاطر بمكانتها في المنطقة إذا واصلت الحرب إلى جانب إسرائيل. وقال في مقاله إن “أميركا فقدت السيطرة على سياستها الخارجية”.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الشهر نفسه، خالف البوسعيدي الرواية التي قدمتها إدارة ترامب لتبرير الحرب، والتي صورت إيران باعتبارها تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة وحلفائها. وكتب الوزير العُماني: “مهما كان رأيك في إيران، فإن هذه الحرب لم تكن من صنعهم”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين، لم تسمهم، قولهم إن إدارة ترامب تشعر منذ أشهر بالإحباط من الخطاب العُماني بشأن الحرب. وبحسب ميدل إيست آي، كانت الصحيفة أول من كشف أن السعودية منحت الولايات المتحدة وصولاً موسعاً إلى منشآت وقواعد وحقوق تحليق خلال ذروة الحرب، قبل أن تنقل رويترز ووسائل إعلام أخرى لاحقاً أن السعودية والإمارات شاركتا الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات على إيران.
وعلى الرغم من عدم وجود قواعد أميركية دائمة في عُمان، كما هو الحال في قطر والبحرين والإمارات والسعودية، فإن البحرية الأميركية تملك اتفاقاً يضمن لها وصولاً منتظماً إلى ميناء الدقم على الساحل الجنوبي للسلطنة. ويمنح هذا الاتفاق واشنطن موطئ قدم مهماً، وإن كان أقل حضوراً من قواعدها العسكرية في دول خليجية أخرى.
وترى “ميدل إيست آي” أن عُمان بدت في الآونة الأخيرة وكأنها تراجعت إلى مقعد خلفي في مسار المفاوضات، في ظل بروز دول أخرى تمتلك أوراقاً أكثر وضوحاً؛ فـقطر تمتلك قدرات مالية واسعة وشبكة وساطات نشطة، بينما تتمتع باكستان بثقل عسكري جعلها حاضرة في مساعي التهدئة.
غير أن تراجع الظهور العُماني لا يلغي خصوصية موقع السلطنة. فلعقود طويلة، حافظت مسقط على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه أبقت قنواتها الدبلوماسية مفتوحة مع إيران، ما جعلها واحدة من الدول القليلة القادرة على الحديث مع الطرفين في أوقات الأزمات.
وبحسب الصحيفة، تستند مكانة عُمان إلى تاريخ سياسي ودبلوماسي عميق. فالسلطنة كيان ضارب في القدم، وامتد نفوذها في مراحل تاريخية من المحيط الهندي إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، بخلاف جيرانها الخليجيين الأحدث نسبياً مثل الإمارات وقطر، اللتين تأسستا كدولتين مستقلتين عام 1971.
وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن عُمان تمتلك أقدم علاقات دبلوماسية وتجارية بين دول الخليج والولايات المتحدة، إذ تعود جذورها إلى عام 1790. ومع ذلك، لم يمنع هذا التاريخ الطويل من تصاعد التوتر الحالي، خاصة مع حساسية ملف مضيق هرمز والحرب على إيران.
وفي جانب آخر من العلاقة مع واشنطن، لفتت الصحيفة إلى أن عُمان، مثل دول خليجية أخرى، سعت أيضاً إلى بناء روابط مع عائلة ترامب. فـ”منظمة ترامب”، التي يديرها أبناء الرئيس الأميركي، لديها اتفاق امتياز لمشروع فندق فاخر وملعب غولف قيد الإنشاء في السلطنة.
وهكذا، تبدو عُمان اليوم في قلب معادلة شديدة التعقيد: فهي حليف تقليدي لواشنطن، وشريك حوار لطهران، ودولة تملك موقعاً جغرافياً حاسماً على مضيق هرمز. وبين تهديدات ترامب، وطموحات إيران لفرض رسوم على السفن، ومحاولات الوساطة الإقليمية، تتحول مسقط من وسيط هادئ إلى طرف لا يمكن تجاوزه في مستقبل الحرب وأمن الملاحة في الخليج.
اقرأ المزيد
لعبة الـ 30 يوماً.. كيف يناور ترامب لانتزاع 900 رطل من اليورانيوم الإيراني دون حرب؟
فخ الـ 60 يوماً.. لماذا يرى قادة الشيوخ الأمريكي أن ترامب يمنح إيران “نصراً استراتيجياً” في هرمز؟
قاليباف في الدوحة: خفايا العرض الأمريكي بالإفراج عن 25% من ثروات إيران لإنهاء الحرب

